الرياء، ولا يعترض على هذا بإبقاء دم الشهيد؛ لأن الصائم مناج لربه، فالمطلوب منه تطيب رائحة فمه بخلاف الشهيد، وأيضا للشارع غرض في بقاء دم الشهيد ليشهد له على الخصم يوم القيامة بفعله، ولا يقال: كيف تكون الرائحة المنتنة حسا أطيب عند الله من ريح المسك مع علمه تعالى بأنها منتنة؟ لأنا نقول: هذا من باب تشبيه الحسن الشرعي بالعرفي، أي أن هذا المنتن عندنا في الحسن أفضل وأحسن في الشرع من ريح المسك عند الطبع لصبر الصائم عليه والصبر عمل صالح، وحاصل الجواب أنه ليس المراد بطيبه استلذاذه، وإنما المراد بطيبه عند الله رضاه به وثناؤه على الصائم بسببه.
"تنبيهان"الأول: وقع خلاف بين ابن الصلاح وابن عبد السلام في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك هل في الدنيا أو في الآخرة؟ ذهب ابن عبد السلام إلى أنه في الآخرة واستدل برواية مسلم حيث قال:"أطيب عند الله يوم القيامة"وقال ابن الصلاح: إن ذلك في الدنيا، وأقول: لا مانع من كونه أطيب عند الله في الدنيا والآخرة بل الآثار دالة على ذلك.
الثاني: الخلوف ريح متغير كريه الشم يحدث من خلو المعدة وهو بضم الخاء المعجمة وحكى عياض فتحها وهو خطأ"ولا تكره له"أي للصائم"الحجامة"ولا الفصادة"إلا خيفة التغرير"لأدائها إلى الفطر، وربما أشعر قوله خيفة التغرير بأن هذا في حق المريض، وهو كذلك.
قال خليل: يكره ذوق ملح وعلك ثم يمجه ومداواة حفر زمنه إلا لخوف ضرر ونذر يوم مكرر ومقدمة جماع كقبلة وفكر إن علمت السلامة وإلا حرمت وحجامة مريض فقط، وأما الصحيح فلا تكره له إلا إذا شك في السلامة وعدمها، والذي حرره الأجهوري في شرح خليل أن الحجامة والفصادة يحرمان عند علم عدم السلامة حتى على الصحيح، ويكرهان عند الشك في السلامة ولو للصحيح، وأما عند اعتقاد السلامة فالكراهة للمريض وعدمها للصحيح وجهه أن المريض لا يتأتى منه الجزم بالسلامة، والمراد بالمريض من قام به المرض ومثله ضعيف البنية. قال ابن عرفة: وضعف بنية الصحيح وشيخوخته كالمريض.
"تنبيه"إنما نص المصنف على خصوص الحجامة للرد على أبي حنيفة وجماعة في قولهم: