لأنه عطف تفسير وهو أحسن، وعلم من تفسيرنا الشك بما قابل اليقين دفع الإشكال في كلامه من جهة المعنى، وهو أن قوله: بنى على اليقين مفهومه أنه لا يبني على الظن، ظاهر قوله وصلى ما شك فيه أنه لا يصلي ما ظن فعله، ولا شك أن هذا تدافع، وقد علمت اندفاعه بأنه ليس المراد بالشك التردد على السواء بل ما قابل اليقين فيدخل فيه الظن.
"ومن تكلم ساهيا"عن كونه في الصلاة"سجد بعد السلام"إن كان إماما أو فذا إلا أن يكون كثيرا فتبطل صلاته، وأما المأموم فيحمله عنه الإمام، واحترز بقوله ساهيا عن المعتمد فتبطل صلاته بكلامه، ولو قل أو وجب كالكلام لإنقاذ أعمى، أو لإجابة المصطفى عليه السلام على فرض وقوعه على ظاهر كلام خليل، إلا ما كان لإصلاحها فلا تبطل به إلا أن يكثر في نفسه، وهو ما يعده العرف كثيرا ولو توقف الإصلاح عليه، ومثال الكلام لإصلاح الصلاة أن يسلم من اثنتين معتقدا كمال صلاته، ثم يشك هل كملت أم لا؟ وتعذر عليه التسبيح فسأل من خلفه هل كمل الصلاة أم لا؟ ولا سجود في هذا الكلام؛ لأنه عمد وإن سجد لزيادة السلام؛ لأنه وقع منه سهوا، والدليل على ما قاله المصنف حديث ذي اليدين وهو: أنه صلى الله عليه وسلم سلم من اثنتين في إحدى صلاتي العشاء فقال له ذو اليدين: أنسيت يا رسول الله أم قصرت الصلاة بالرفع على الفاعلية؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"لم أنس ولم تقصر"، فالتفت فقال:"أحق ما يقول ذو اليدين"؟ فقالوا: نعم، فقام وكمل صلاته1.
قال الفاكهاني: وموضع الدليل منه أنه صلى الله عليه وسلم تكلم ثم قال. لا يقال: أن ذلك كان قبل تحريم الكلام، لأنا نقول: إن تحريم الكلام كان بمكة وقصة ذي اليدين كانت بمكة أيضا قاله عبد الوهاب، وتقدم الرد على من ادعى النسخ أيضا بأن راوي هذا الحديث أبو هريرة وهو متأخر إسلاما، وقولنا يسلم معتقدا للإتمام، وشك بعد ذلك فسأل احترازا عما لو شك قبل سلامه فإنه لا يجوز له السؤال كما لا يجوز له السلام، بل يجب عليه أن يبني على يقينه، فلو سلم أو سأل في حال شكه بطلت صلاته، والحاصل أن من عنده شك في إتمام صلاته قبل السلام أو عرض له الشك بعد سلامه مع اعتقاد كماله يجب عليه فعل ما تبرأ به ذمته، ولا يجوز له السؤال بالكلام ولا السلام، وإلا بطلت صلاته، إلا الإمام يسلم على يقين، ثم يحصل له الشك من كلام المأمومين فيجوز له السؤال بالكلام إذا تعذر عليه الوصول إلى العلم بحيث لا يحصل بإشارة ولا تسبيح.
ـــــــ
1 أخرجه مالك في الموطأ"1/93"حديث"210".