الشهادتين، وبحث بعض شيوخنا في ذلك القياس قائلًا: المسنون التشهد وهو اسم لهذا اللفظ، والمسنون قراءة ما زاد على أم القرآن وهو يصدق ببعض سورةٍ، وربما يقوي بحث بعض شيوخنا قوله:"فإن سلمت بعد هذا"أي التحيات لله إلى قوله: وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"أجزأك"المتبادر منه أجزأك في أداء السنة ولا يتوقف حصولها على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم خلافًا لبعض الأئمة فظاهره أنه لو اقتصر على بعضه لم يجزه فيخالف قياسه على السورة إلا أن يقال: مراده بالإجزاء الذي لا سجود معه ولا إثم وليس المراد الإجزاء الذي لا يصح غيره، فلا ينافي ما قاله الأقفهسي أنه لو قال: لا إله إلا الله في التشهد أجزأه أي لصدق التشهد عليه.
"ومما تزيده"بعد التشهد"إن شئت"لكمال الموجب لكثرة الثواب؛ لأن المراد أنت مخير في الزيادة وعدمها مع استوائهما في الحكم فإن هذا غير صحيحٍ كما لا يخفى، أو أنه قصد بقوله: إن شئت الرد على من يقول بوجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير؛ لأن الكلام في صلاة الصبح أو أراد التخيير بين هذا الدعاء وغيره من الأدعية، ويدل على هذا خبر الصحيحين من أنه عليه الصلاة والسلام لما علمهم التشهد قال:"وليتخير من الدعاء ما أحب"1 وأما التشهد الأول فالمطلوب تقصيره ويكره الدعاء فيه، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم دعاء كما يأتي في قوله: ويتشهد في الجلسة الأولى، إلى قوله: وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأشار إلى ما يزيده مشتملًا على شيءٍ من القرآن وشيءٍ من السنة وشيءٍ من فعل السلف الصالح، إشارةً إلى جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن فقال:"وأشهد أن الذي جاء به محمد"صلى الله عليه وسلم"حق"أي ثابت إذ الحق هو الحكم المطابق للواقع يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب ويقابله الباطل، وأما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصةً ويقابله الكذب وحقيقته مطابقة حكم الخبر للواقع"وأن الجنة"وهي دار الثواب"حق وأن النار"وهي دار العذاب"حق"وأنهما موجودتان اليوم، وأن الصراط حق"وأن الساعة"وهي القيامة وانقراض الدنيا"آتية"أي جائية"لا ريب فيها"الخبر هنا معناه النهي أي لا ترتابوا فيها أو هو باقٍ على معناه، ونزل ريب المرتابين منزلة عدمه لما أن معهم من الأدلة إن نظروا فيه لم يرتابوا، أو أن المراد لا ريب فيها في علم الله وملائكته وأنبيائه والمؤمنين.
"و"أشهد"أن الله يبعث"أي يحيي"من في القبور"وكذا غيرهم من جميع الأموات، فذكر
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري كتاب الأذان باب ما يتميز من الدعاء بعد التشهد حديث 835, ومسلم كتاب الصلاة باب: التشهد في الصلاة حديث 402.