لا ينجس، وهو المراد بقوله: لم يحمل خبثًا أي يدفع النجس ولا يقبله. قاله الرملي الشافعي، ومفهومه أنه إذا لم يبلغهما يحمل الخبث أي يتنجس بمجرد الملاقاة ولو لم يتغير، والمشهور عند مالكٍ رضي الله عنه أنه لا يتنجس إلا بالتغيير ولو أقل من قلتين مستدلا بخبر بئر بضاعة وهي بئر تلقى فيها خرق الحيض ولحوم الكلاب، إذ سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه"1 ولا يعارض هذا حديث القلتين لعدم صحته لتضعيف مالكٍ وغيره له، وعلى تسليم صحته إنما يدل بالمفهوم، ودلالة المنطوق تقدم على دلالة المفهوم، وأيضًا قوله: لم يحمل خبثًا معناه يضعف عن حمل النجاسة فتظهر فيه فتغير أحد أوصافه، فيكون فيه إشارة إلى أن التنجس بسبب التغير والشيء ينعدم بانعدام سببه، وحكم هذا القليل على المشهور وجوب استعماله عند عدم غيره والكراهة مع وجود غيره.
وقد اقتصر عليه خليل حيث قال في بيان المياه المكروهة: وكره ماء مستعمل في حدثٍ وفي غيره تردد ويسير كآنية وضوءٍ وغسلٍ بنجسٍ لم يغير أو ولغ فيه كلب وراكد يغتسل فيه إلخ، وإذا توضأ بالماء القليل المذكور وصلى فلا إعادة عليه أصلًا على المشهور، وأما على الضعيف الذي هو كلام المصنف: لو صلى به يعيد في الوقت أبدًا مراعاةً للخلاف.
"تنبيهان"الأول: مفهوم قليلٍ أن الكثير وهو ما زاد على آنية الوضوء أو الغسل لا ينجس إلا بالتغير بالفعل اتفاقًا، ومفهوم النجاسة أن القليل إذا خالطه طاهر مفارق ولم يتغير باقٍ على إطلاقه من غير نزعٍ.
الثاني: تلخص من كلام أهل المذهب أن الماء المخلوط بالمفارق على أقسامٍ: قسم طاهرٍ طهور وهو الكثير الذي لم يتغير أحد أوصافه، وقسم غير طهورٍ وهو الذي تغير أحد أوصافه، ولا فرق مع التغير بين القليل والكثير وحكمه كمغيره، وقسم فيه خلاف وهو القليل الذي حلته نجاسة ولم تغيره فعند المصنف متنجس، وعلى المشهور مكروه الاستعمال مع وجود غيره.
ثم لم فرغ من الكلام على ما يصح التطهير به من الماء وما لا يصح، شرع في مسألةٍ زائدةٍ على ما ترجم له فقال:"وقلة الماء"أي وتقليل الماء في حال الاستعمال من غير تحديدٍ"مع إحكامٍ"بكسر الهمزة أي إتقان"الغسل"أو الوضوء"سنة"بمعنى مستحبة، وعبر بالسنة جريا على طريق البغداديين لأنهم يعبرون عن المستحب بالسنة لأن الكل فعل النبي صلى الله عليه وسلم أو مراده
ـــــــ
1 سبق تخريجه قريبا.