وذهب القاضي أبو الوليد بن رشدٍ المالكي إلى أن ما بعد القرون الثلاثة سواء لا مزية لأحدها على الآخر.
وقال بعض العلماء: والأقرب التفاضل بالاستقامة والسداد في الدين لا بالسبقية في الزمان، وهذا اختيار لأحد القولين فيما بعد القرون الثلاثة، وقولنا بالسبقية احترازًا عن التفاضل بغير السبقية فإنه يمكن التفاوت والتفاضل به، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال للصحابة:"أتدرون أي الخلق أفضل إيمانًا؟"فقيل له: الملائكة، فقال:"بل غيرهم"، فقيل له: الأنبياء، فقال:"بل غيرهم"، فقيل: الشهداء، فقال:"بل غيرهم"، ثم قال عليه الصلاة والسلام:"أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني ويصدقون بما جئت به ويعملون به فهم خير منكم".1
ولما رأى الفاكهاني وغيره معارضة هذا لما مر من أفضلية القرن الأول على سائر القرون قال: ولا يلزم من تفضيل هؤلاء الجماعة على غيرهم من جهة إيمانهم به عليه الصلاة والسلام من غير رؤيته تفضيلهم مطلقًا.
الثاني: اختلف في معنى القرن فقيل هم أهل زمانٍ واحدٍ، وقيل اسم للزمان، وقيل المراد بالقرن الجيل، والأصح أنه اسم لمائة سنةٍ، والظاهر أو المتعين أن المصنف أراد بالقرن الجيل وأهل الزمان الواحد بدليل قوله: الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الزمان لا يرى وإنما الذي يرى هو أهله.
الثالث: التفضيل بين تلك القرون قطعي عند الأشعري وظني عند الباقلاني وإمام الحرمين، وبالظاهر والباطن على القطع، وفي الظاهر فقط على أنه ظني.
ولما ذكر أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أفضل القرون قطعًا وقيل ظنا، شرع في بيان الأفضل منهم بقوله:"وأفضل الصحابة الخلفاء"الأربعة"الراشدون المهديون"والمعنى: أن مما يجب اعتقاده أن أفضل الصحابة الذين ولوا الخلافة بعده صلى الله عليه وسلم وهي النيابة عنه في عموم مصالح المسلمين من إقامة الدين وصيانة المسلمين بحيث يجب على كافة الخلق الاتباع لهم ويحرم عليهم مخالفتهم، وبين عليه الصلاة والسلام مدتها بقوله:"الخلافة بعدي ثلاثون سنةً ثم"
ـــــــ
1 ضعيف: أخرجه الحاكم في المستدرك 4/96, حديث 6993 وأبو يعلى في مسنده 1/148, حديث 160 بلفظ"أتدرون أي أهل الإيمان أفضل..."وانظر الضعيفة 2/103.