القرآن: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] لأن المراد أفضل أمتي، ومعنى لا يبلغ مد أحدهم أن ثواب الصدقة بملء أحدٍ من الذهب من غيرهم لا يبلغ ثواب إنفاق المد ولا نصيفه من الصحابة، وذلك؛ لأن إنفاقهم رضي الله عنهم كان في وقت الضرورة وضيق الحال، وكان في حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وحمايته مع صدق نيتهم وخلوص طويتهم رضي الله تعالى عنهم، والنصيف على وزن رغيفٍ فهو بكسر الصاد المهملة قبلها نون مفتوحة لغةً في النصف، قاله شيخ الإسلام في حاشيته على العقائد، وزاد غيره: أنه يطلق على ما يوضع على الرأس المسمى بالحبرة، والمراد هنا المعنى الأول.
تنبيهات: الأول: تعبير المصنف برأوا إشارةً إلى تعريف الصحابي كما قال العراقي: رأى النبي مسلمًا ذو صحبةٍ وقيل إن طالت ولم تثبت وقيل من أقام عامًا وغزا وظاهر المصنف كالعراقي ولو رآه على بعدٍ ولو لم يعرفه، والأولى تعريفه بمن لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ومات على الإسلام ليشمل الأعمى، ويشمل من مر عليه النبي صلى الله عليه وسلم نائمًا أو أحضره أبوه معه عند النبي صلى الله عليه وسلم ولو غير مميزٍ، واعتبر بعضهم التمييز كما اعتبر التعارف وألغاه آخرون، ووقع التردد فيمن كلم النبي صلى الله عليه وسلم وبينه وبينه حائط، ولا يشترط في ثبوت الصحبة طول زمان الرؤيا بخلاف اجتماع التابعي بالصحابي فلا بد من طوله حتى يكون تابعيا على ما ارتضاه بعض الشيوخ وكذلك تابع التابعي، والمراد من الطول ما تحصل به الصحبة عرفًا.
الثاني: المفضل كل فردٍ من أفراد الصحابة من حيث صحبته على غيره من أهل القرون، وبقولنا من حيث الصحبة لا يرد أنه قد يوجد في قرن التابعين من هو أفضل من كثيرٍ من الصحابة من حيث العلم أو الصلاح وغير ذلك من الخصال الحميدة، ومعنى التفضيل كثرة الثواب ورفع الدرجات، وإنما كانت الصحابة أفضل القرون؛ لأنهم رضي الله عنهم آووه ونصروه وجاهدوا معه وتصدقوا بفضول أموالهم مع الحاجة وباعوا النفوس لله ورسوله.
الثالث: كما يجب اعتقاد أنهم أفضل القرون يجب اعتقاد أنهم متفاوتون في الفضل فيما بينهم رضي الله عنهم بكثرة الملازمة له صلى الله عليه وسلم والمجاهدة معه والقرب منه، إذ ليس من رآه وفارقه كمن جاهد معه وإن كان شرف الصحبة حاصلًا للجميع.
الرابع: لم يبين المصنف ما تثبت به الصحبة ونص عليه غيره قائلًا: وتعرف الصحبة بالتواتر والاستفاضة وبالشهرة أو بإخبار بعض الصحابة أو بعض ثقات التابعين أو بإخباره عن نفسه بأنه صحابي إذا دخلت دعواه تلك تحت الإمكان قاله ابن حجرٍ.