"شيء"مما ضبطوه على العباد"عن علم ربهم"لإحاطة علمه سبحانه وتعالى بما يسرون وما يعلنون، فالحاصل أن وضع الحفظة لا لخوف نسيانٍ أو غفلةٍ لاستحالة ذلك على الباري - تعالى - وإنما
فائدة ذلك ترجع للعبد؛ لأن الإنسان إذا علم أن عليه من يحصي عمله ويضبطه ليشهد به عليه يوم القيامة على رءوس الأشهاد يحصل منه انزجار عن الإقدام على ارتكاب المعاصي ولإقامة الحجة عليهم على قدر جحدهم.
"و"يجب على كل مكلفٍ أن يعتقد"أن ملك الموت"وهو عزرائيل وقيل اسمه عبد الجبار"يقبض"جميع"الأرواح"من مقرها أو من يد أعوانه المعالجين لنزعها منه لكن"بإذن ربه"لما في الخبر:"والله لو أردت قبض روح بعوضةٍ ما قدرت على ذلك حتى يكون الله أذن بقبضها"، وأشار إلى هذا صاحب الجوهرة بقوله: وواجب إيماننا بالموت ويقبض الروح رسول الموت والمعنى: أن الموت حق ابتلى الله به كل ذي روحٍ ولو أعز خلقه كمحمدٍ صلى الله عليه وسلم فهو أعظم مصيبةً يصابها الآدمي، وليس ثم مصيبة أعظم منه سوى الغفلة عنه.
قال تعالى: {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] وحقيقته على مذهب الأشاعرة كيفية وجودية تضاد الحياة أو عدم الحياة عما من شأنه أن يكون حيا وجاحده كافر بإجماع المسلمين.
تنبيهات: الأول: ما قدمناه من أن ملك الموت يقبض كل روحٍ يشمل أرواح الشهداء ولو شهيد بحرٍ، ويشمل أرواح البهائم ولو براغيث، بل قيل إنه يقبض روح نفسه، وقيل إنما يقبضها الله تعالى كما قيل إنه يقبض روح شهيد البحر.
فإن قيل: إذا كان المتولي لقبض الأرواح جميعًا ملك الموت فكيف إذا مات خلق كثير في أماكن متعددةٍ متباعدةٍ في زمنٍ متحدٍ؟ فالجواب: أن ملك الموت الدنيا بين يديه كالقصعة بين يدي الآكل ورجلاه في الأرض السفلى ووجهه في اللوح المحفوظ، وأخرج أحمد والبزار وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"كان ملك الموت يأتي الناس عيانًا فأتى موسى عليه الصلاة والسلام فلطمه ففقأ عينه فأتى ربه فقال: يا رب عبدك موسى فقأ عيني ولولا كرامته عليك لشققت عليه. قال: اذهب إلى عبدي فقل له فليضع يده على جلد ثورٍ وله بكل شعرةٍ وارتها يده سنة، فأتاه فقال: ما بعد هذا؟ قال: الموت، قال: فالآن فشمه شمةً فقبض روحه ورد"