وهي التي يكون صاحب الجسد ببقائها مستيقظًا وإن خرجت منه نام.
الخامس: قد قدمنا أن محل الروح من الجسد في حال الحياة غير معلومٍ على الصواب، وأما مقرها بعد الموت وقبل القيامة فمختلف، فمقر أرواح الأنبياء الجنة ومقر أرواح الشهداء في أجواف طيورٍ خضرٍ ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهبٍ معلقةٍ في ظل العرش، ومقر أرواح غيرهما البرزخ، والمراد به هنا الحاجز بين الدنيا والآخرة وله زمان وحال ومكان، فزمانه في حين الموت إلى يوم القيامة وحاله الأرواح ومكانه من القبر إلى عليين لأرواح أهل السعادة، وأما أرواح أهل الشقاوة فلا تفتح لهم أبواب السماء بل هي في سجينٍ مسجونةً وبلعنة الله فيه موصوفة، والمراد بسجينٍ الأرض السابعة السفلى، وقيل: أرواح السعداء على أفنية القبور لكن لا على سبيل الدوام تسرح حيث شاءت كما قال مالك وقيل غير ذلك، ولكل روحٍ بجسدها اتصال معنوي ليحل لها من التنعيم والتعذيب ما كتب لها، وبقولنا لها اتصال يحصل به الجمع بين قول من قال إنها على أفنية القبور ومن قال إنها في عليين، ويدل على الاتصال ما ورد:"أن من سلم على قبر شخصٍ كان يعرفه في الدنيا فإنه يعرفه ويرد عليه السلام وهو في قبره".
السادس: أجمع أهل السنة على أن الأرواح محدثة خلافًا للزنادقة، نعم وقع الخلاف في خلقها قبل الجسد وتأخرها عنه على قولين: فقيل خلقت قبله بألفي عامٍ وقيل بعده؛ واستدل له بقوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: 1] قيل: إنه مكث أربعين سنةً قبل أن ينفخ فيه الروح، وأجيب بالفرق بين نفخ الروح وخلقه فلا دليل في الآية على التأخير.
السابع: وقع الاختلاف في فنائها عند النفخة الأولى والراجح أنها لا تفنى كما لا يفنى عجب الذنب.
"و"مما يجب الإيمان به"أن المؤمنين يفتنون"أي يمتحنون ويختبرون"في قبورهم و"معنى يفتنون في قبورهم"يسألون"لإجماع العلماء على أن المراد بفتنة القبر سؤال الملكين منكر بفتح الكاف ونكير بكسرها بيد كل واحدٍ منهما مرزبة من حديدٍ لو وضعت على جبال الدنيا لذوبتها جعلها الله تكرمةً للمؤمنين لتثبيتهم وهتكًا لستر المنافقين في البرزخ من قبل أن يبعثوا، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} وهو قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله وما يقوم مقام ذلك، فإذا ثبتهم لا يزولون إذا فتنوا في دينهم"في الحياة الدنيا"أي