جاء يوم الدين يحصل النعيم الحقيقي والعذاب الحقيقي الأبدي، وليس المراد أنهما بعد القيامة ينقطعان.
والحاصل أن كلام المصنف في مدة البرزخ والدليل على جميع ذلك ما في الصحيح من أنه صلى الله عليه وسلم قال:"إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك إلى أن يبعثك الله"1.
والتنعيم والتعذيب إما للجسد كله أو لجزئه بعد إعادة الروح فيه على مذهب الجمهور، فقول المصنف: وأرواح أهل السعادة. إلخ تبع فيه مذهب ابن حزمٍ وابن هبيرة القائلين بأن التنعيم والتعذيب للروح فقط.
قال الجلال تبعًا لشيخه الحافظ ابن حجرٍ قال العلماء: عذاب القبر وهو عذاب البرزخ أضيف إلى القبر؛ لأنه الغالب إلى أن قال: ومحله الروح والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة، وكذا القول في النعيم، ويمكن الجواب عن المصنف بأنه إنما أسند النعيم والعذاب للأرواح لما تقرر من أنها متصلة بالأجساد، فيلزم من تعذيب أو تنعيم الأرواح تنعيم أو تعذيب الأجساد، فلم يخرج المصنف عن كلام أهل السنة.
تنبيهات: الأول: عذاب القبر قسمان: دائم وهو عذاب الكفار وبعض عصاة المؤمنين، ومنقطع وهو عذاب من خفت جرائمهم فإنهم يعذبون ويرفع عنهم بدعاءٍ أو صدقةٍ أو غير ذلك.
وقال اليافعي: بلغنا أن الموتى لا يعذبون ليلة الجمعة تشريفًا لها قال: ويحتمل اختصاص ذلك بعصاة المسلمين دون الكفار، وعممه في بحر الكلام في الكافر أيضًا قال: إن الكافر يرفع عنه العذاب يوم الجمعة وليلتها وجميع شهر رمضان، وأما المسلم العاصي فإن مات في غير يوم الجمعة وليلتها عذب إليها ثم ينقطع فلا يعود إلى يوم القيامة، وإن مات ليلة الجمعة أو يومها عذب ساعةً واحدةً ثم لا يعود إلى يوم القيامة، ففي الحديث:"ما من مسلمٍ أو مسلمةٍ يموت ليلة الجمعة أو يومها إلا وقي من عذاب القبر وفتنة القبر ولقي الله ولا حساب عليه"2.
قال العلامة الأجهوري: ظاهر الأحاديث الواردة في عدم سؤال الميت ليلة الجمعة ويوم
ـــــــ
1 أخرجه مالك في الموطأ"1/239", حديث"567", وأحمد"2/322", حديث"8266"بلفظه.
2 صحيح: أخرجه البخاري, كتاب الجنائز, باب: الميت يعرض عليه مقعده بالغداة و العشي, حديث"1379", ومسلم كتاب الجنة وصفة نعيمهاوأهلها, باب: عرض مقعد الميت من الجنة و النار عليه حديث"2866".