فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 1223

نزلت في قتلى بدرٍ لما قال الناس في حق من قتل في سبيل الله: مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها، فكره سبحانه أن يحط منزلتهم فأنزل هذه الآية.

قال العلامة الجزولي: حياة الشهداء حياة غير مكيفةٍ ولا معقولةٍ للبشر يجب الإيمان بها على ما جاء به ظاهر الشرع وجمهور العلماء على أنهم في الجنة، ويؤيد ذلك"قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم حارثة:"إنه في الفردوس"وفي أسباب النزول للواحدي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة لما أصيب إخوانهم بأحدٍ:"جعل الله أرواحهم في أجواف طيورٍ خضرٍ ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهبٍ معلقةٍ في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أننا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ويتأخروا عن الحرب؟ فقال الله: أنا أبلغهم عنكم"فأنزل الله: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [آل عمران: 169] الآية1."

تنبيهات: الأول: ما قدمناه من أن المتصف بالحياة أجساد الشهداء وأن أجسادهم حقيقة ظاهر الآية الشريفة وعليه الجمهور، لكن حياتهم ليست كحياتهم في الدنيا لما قاله بعضهم من أن الإجماع على أن أجسادهم لا تعود إليها الحياة على ما كانت عليه في الدنيا فالحاصل أن تلك الحياة لا تمنع إطلاق اسم الميت عليه بل حياة غير معقولةٍ للبشر.

الثاني: حملنا الشهداء على شهداء الحرب الذين قاتلوا لإعلاء كلمة الله من غير ارتكاب مؤثمٍ؛ لأنهم المجاهدون شرعًا، وبعضهم ألحق بهم من قاتل لغرضٍ دنيوي ذاهبًا إلى إرادة الغنيمة أو الوقوع في معصيةٍ لا تنافي حصول الشهادة. نعم اختار جمع التفصيل بين القصد الأخروي فيؤجر بقدره وبين القصد الدنيوي فلا يؤجر كما إذا قصدا معًا، وألحق القرطبي بالمجاهد كل مقتولٍ على الحق.

قال النووي: وهذا الفضل وإن كان الظاهر أنه في قتال الكفار فيدخل فيه من خرج في قتال البغاة وقطاع الطريق وفي إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما سموا شهداء؛ لأنهم شهد لهم بالجنة أو؛ لأن أرواحهم شهدت دار السلام، بخلاف أرواح غيرهم لا تشهدها إلا عند القيامة، أو؛ لأن دمه يشهد له يوم القيامة، أو؛ لأن الله شهد له باللطف والرحمة وغير ذلك، وللشهيد كرامتان غير هذه، كالأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة، وكالغفران بأول الملاقاة وأنه

ـــــــ

1 صحيح: أبو داود كتاب الجهاد باب: في فضل الشهادة حديث 2520, والترمذي حديث 3011, وابن ماجة حديث 2801 وانظر صحيح الجامع 5205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت