وهذا إن أريد بالنية حقيقتها، وإن أريد بها الإخلاص فيصح بقاؤه على عمومه في الأعمال التي يدخلها الرياء ثم إن فسرت النية بالإخلاص فالمراد بلا يكمل لا يحصل ثوابه، وإن أريد بها حقيقتها فمعناه لا يصح، ومثال الأقوال التي تحتاج إلى نيةٍ كالأذان والاستغفار وغيره مما يجب في العمر مرةً كالشهادتين والحمد والتسبيح فإنها تفتقر إلى نية أداء الواجب، هذا محصل معنى كلام الأجهوري ولي وقفة في قوله ثم إن فسرت النية بالإخلاص فالمراد بلا يكمل لا يحصل ثوابه بما قاله القرافي وغيره من حكاية الإجماع ببطلان العبادة بالرياء إن شملها من أولها إلى آخرها، وإن شمل بعضها وتوقف آخرها على أولها كالصلاة ففي صحتها تردد قاله اللقاني في شرح عقيدته.
ويكمل صحة كلام الشيخ الأجهوري على أن المراد بعدم الإخلاص عدم ملاحظة كون العمل لله تعالى وهذا لا يقتضي الفساد، وإنما يفوت الكمال وعدم الإخلاص المقتضي للفساد هو فعل العبادة لقصد غير الله تعالى وهذا هو الرياء الذي يفسد العمل، واستظهر الفاكهاني أن المراد بالنية هنا الإخلاص وهو أن يعمل العمل لله خالصًا بأن يفرده بالعبادة لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5 ] فإذا ابتدأ العمل لغير الله فسد اتفاقًا.
وإن ابتدأ لله وأحب بقلبه أن يحمد عليه فلا يضر ذلك، وإن ابتدأه واطلع عليه في أثنائه وأحب بقلبه أن يحمد واستمر على ذلك ولم يدفعه بقلبه فما بعد ذلك يبطل اتفاقًا وما قبله على المشهور، وقيل
يصح وإن أبى ذلك بقلبه ودفعه فلا يبطل اتفاقًا."ولا"يكمل"قول"وهو ما يصدر من اللسان كالأذان والحمد.
"و"لا"عمل و"لا"نية إلا بموافقة السنة"أي طريقة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فليس المراد بالسنة المقابلة للكتاب بل المراد شريعته، وهي ما دل عليه الأدلة الشرعية كالكتاب والسنة والإجماع والقياس، ومما دلت عليه شريعته الإخلاص في العمل، فمن عمل على شريعةٍ غير شريعته صلى الله عليه وسلم لم ينتفع بعمله، فثبت بهذا أن القول والعمل يجب على الآتي بهما عرضهما على شريعته، فما وافقها كان صحيحًا وما خالفها لا يلتفت إليه؛ لأنه إما معصية أو قريب منها، والموافق لها ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف أو أضيف إلى واحدٍ منها، وما خرج عن هذه المذكورات فهو بدعة وإن اعتقد قربته وصحت فيه نيته.
قال ابن عمر رحمه الله تعالى: هذا الفصل الذي قاله أبو محمدٍ يشتمل على خمس قواعد: الأول أن من آمن بقلبه ونطق بلسانه وعمل بجوارحه بنيةٍ وكان عمله موافقًا للسنة فهذا هو