إِلَّا إِيمَانًا [الأحزاب: 22] .
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لو وزن إيمان أبي بكرٍ بإيمان هذه الأمة لرجح عليها"1 وكلما يقبل الزيادة يقبل النقص فتم الدليل، وهذا واضح على تفسير الإيمان بالتصديق والعمل، وأما على تفسيره بنفس التصديق فكذلك يزيد بزيادة النظر في الدليل وينقص بعدمها.
وعلى هذا الراجح جمهور الأشاعرة والفقهاء، والمحدثون والمعتزلة، ونقله الشافعي والإمام مالك والإمام البخاري، ومقابله لجماعةٍ أعظمهم الإمام أبو حنيفة وتبعه أصحابه وطائفة من المتكلمين أنه لا يزيد ولا ينقص لأنه اسم التصديق البالغ حد الجزم وهو لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان، وأجابوا عما تمسك به الأولون من الآيات وغيرها بأن المراد بالزيادة بحسب الدوام وكثرة الزمان، أو أن المراد زيادة الأحكام التي لا تتجدد؛ لأن الشرع كان يتجدد شيئًا فشيئًا، فالمراد زيادة متعلقاته وهو ما يجب الإيمان به، وأشار لهذه المسألة صاحب الجوهرة بقوله: ورجحت زيادة الإيمان بما تزيد طاعة الإنسان ونقصه بنقصها وقيل لا وقيل لا خلف كذا قد نقلا وأشار بقوله: وقيل لا خلف إلى قول الفخر الرازي مع جماعةٍ: إن الخلاف لفظي؛ لأن من يقول بقول الزيادة والنقصان يفسره بالتصديق والأعمال، ومن يقول بعدم قبوله الزيادة والنقصان يفسره بالتصديق فقط، وأشار بقوله: كذا قد نقلا إلى التبري من هذا القول وأن الخلاف حقيقي؛ لأن الأصح أن التصديق القلبي يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة وعدم ذلك.
ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريه الشبه، ويؤيده أن كل أحدٍ يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقينًا وإخلاصًا منه في بعضها، فكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها، ولا يقال: إن قبل التصديق النقص والزيادة كان شكا. لأنا نقول: مراتب اليقين متفاوتة إلى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، فالأول هو العلم المستفاد من الخبر، والثاني هو المستفاد من المشاهد، والثالث هو المستفاد من المعاينة والمباشرة معًا.
تنبيهات: الأول: إنما قلنا بقطع النظر عن محله؛ لأن محل الخلاف في إيمان غير الأنبياء
ـــــــ
1 موقوف على عمر بإسناد صحيح أخرجه البيهقي في شعب الإيمان 1/69, وعبد الله ابن الإمام أحمد في السنة 1/378 من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال العراقي: رواه البيهقي في الشعب موقوفا على عمر وإسناده صحيح 1/130.