فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 1223

وهم عند الجمهور أجسام لطيفة نورانية أعطاها الله قدرة التشكل بأشكالٍ مختلفةٍ كاملةٍ في العلم والقدرة على الأفعال الشاقة، شأنها الطاعات ومسكنها السموات رسل الله إلى أنبيائه وأمناؤه على وحيه يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وكثيرًا ما يعينون الناس على الأفعال الشاقة كالغلبة على الأعداء وكالطيران في الهواء والمشي على الماء، بخلاف الشياطين من الجن فإنهم من النار أو الهواء وإنما يعينون على الشر، وصلة يجيء قوله:"لعرض الأمم"عليه تعالى لينظر في أحوالها.

وروي أنه في يوم القيامة ثلاث عرضاتٍ: عرضتان للاعتذار والاحتجاج والتوبيخ والثالثة فيها نشر الكتب، فيأخذ الفائز كتابه بيمينه والهالك يأخذه بشماله، والأمم جمع أمةٍ وهي طوائف المخلوقين بناءً على بعث كل مخلوقٍ أو خصوص من يحاسب من الثقلين.

"وحسابها وعقوبتها وثوابها"فإن بعض تلك المذكورات وهو الثواب يختص بالثقلين، واختص الحساب بتلك الحالة؛ لأنها أضيق الأحوال باحتياط الملائكة بهم سبع صفوفٍ لا يستطيع ذو البطش منهم الهروب نسأله - سبحانه وتعالى - الإعانة عليه، وعطف الحساب وما بعده على العرض من عطف السبب على المسبب؛ لأن العرض إنما هو لأجل الحساب وما بعده، ولكن يجب عليك أن تعتقد أن محاسبة الرب لعبده ليست للإحاطة بجرائمه التي يعاقب عليها والحسنات التي يثاب عليها؛ لأنه تعالى لا يخفى عليه خافية بل {أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] إنما ذلك للتخويف بإفشاء الحال بإظهار تفاوت مراتب أرباب الكمالات وفضيحة أرباب الضلال، ومعلوم أن العقوبة والإثابة ناشئتان عن الحساب ومرتبتان عليه، وليس من باب اللف والنشر كما قاله بعض الشراح وعظائم العرض على الرب لا تخفى على أحدٍ فإنه اليوم الذي يذيب الأكباد ويفر فيه الوالد من بنيه والأخ من أخيه ويشتد فيه القلق ويكثر فيه العرق حتى يغوص في الأرض سبعين ذراعًا، وأما على ظهرها فيختلف باختلاف الأشخاص وتفاوتهم في المراتب، فمنهم من يلجم بعرقه ومنهم من يغوص بنصفه في عرقه ومنهم دون ذلك، يوم تشهد فيه الألسن والأيدي والأرجل والسمع والبصر والجلود والأرض والليل والنهار والحفظة الكرام وتتغير فيه الألوان، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وبالجملة العرض والحساب وشدائدهما معلومة لا ينكرها إلا ملحد، فينبغي للعاقل أن يحافظ على فعل المأمورات واجتناب المنهيات لعل أن ينجو من المهلكات.

تنبيهان: الأول: ظاهر كلام المصنف اختصاص الحساب بالمكلف لقوله وعقوبتها، وقال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت