الثاني: تدخل فيمن كفر من الجن. قال المازري: اتفق العلماء على أن الجن معذبون في الآخرة على المعاصي. قال تعالى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [هود: 119] والصحيح أنهم يدخلونها ويثابون فينعمون فيها بالأكل والشرب وغيرهما كما قاله مالك والحسن البصري وجمع كثير.
وأن الله تبارك وتعالى يجيء يوم القيامة والملك صفا صفا: لعرض الأمم وحسابها، وعقوبتها، وثوابها.
ولما قدم أن الجنة والنار حق أنهما لا يدخلان إلا بعد الحساب ذكره عقبهما وإن كان الأنسب تأخيرهما عنه فقال:"و"مما يجب اعتقاده حقيقةً"أن الله تبارك وتعالى"أي تزايد وتكاثر خيره وتعاظم وارتفع قدره عما يقول الجاهلون علوا كبيرًا"يجيء"المراد أمره أو حامل أمره أو المراد ظهور آثار قدرته وقهره لاستحالة الحركة والانتقال عليه سبحانه وتعالى، والقصد من ذلك التمثيل بما يظهر عند حضور السلطان من تعظيم هيبته وإتقان سياسته للفصل بين خلقه.
"يوم القيامة"وهو زمن انقراض الدنيا ولذا يقال له اليوم الآخر؛ لأنه آخر أيام الدنيا، وأوله من النفخة الثانية إلى استقرار الخلق في الدارين، سمي بذلك لقيام الخلق كلهم من قبورهم فيه، وقيامهم بين يدي خالقهم، وقيام الحجة لهم وعليهم وهي مصدر قام، ودخلتها التاء للمبالغة على عادة العرب في نحو علامة ونسابة"و"يجيء"الملك"أيضًا حالة كونه"صفا صفا"أي صفا بعد صف فهو حال من الملك؛ لأن المراد الجنس؛ لأن الاصطفاف إنما يحصل من المتعدد وصفا مصدر لا يصح حمله على ذي الحال، فهو إما على التأويل بالمشتق أي مصطفين، أو على حذف المضاف أي ذوي صفوفٍ وتلك الحال منوية؛ لأن الاصطفاف ليس مقارنًا للمجيء بل بعده وليس صفا الثاني تأكيدًا للأول؛ لأن الصفوف متعددة لما ورد من أنه إذا كان يوم القيامة تبدل الأرض غير الأرض والسموات، وتكون الخلق إذ ذاك على الصراط يأمرها الله تعالى أن تمتد كالأديم مسيرة خمسمائة عامٍ.
فينزل الخلائق من فوق الصراط وتجتمع فيها فعند ذلك تنزل ملائكة سماء الدنيا فيصطفون ويحتاطون بالخلائق صفا أولًا ثم ملائكة السماء الثانية والثالثة وهكذا بعدد السموات السبع، ثم بعد تناهي الصفوف السبع يقول الله تبارك وتعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن: 33] أي بحجةٍ، وخالف لفظ القرآن في تعبيره بيجيء لمطابقة الواقع؛ لأن لفظ الماضي في الآية على معنى المضارع فهو من باب الاقتباس بناءً على جوازه وهو يغتفر فيه التغيير اليسير المناسب للمقام، والملك مفرد الملائكة