"في كل مكان بعلمه"بمعنى أنه يجب على كل مكلف أن يعتقد أن علم الله تعالى محيط بسائر أقسام الحكم العقلي قال تعالى: {أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] في أمكتنها وأزمنتها وقد قدمنا أن علمه تعالى صفة أزلية قائمة بذاته زائدة عليها محيطة بالواجبات والجائزات والمستحيلات ولا يوصف علمه بالضرورة ولا الاكتساب وهو صفة واحدة وإن تعددت متعلقها وأشار إليه المصنف بقوله وهو في كل مكان بعلمه إلى بيان معنى قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] وقوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4] فإن المراد الإشارة إلى إحاطة علمه بجميع الأمكنة وما احتوت عليه.
والمراد بالمعية المصاحبة بالعلم لا المصاحبة في المكان لتنزهه عن الزمان والمكان ومعنى قوله: {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} علما وحكما لا نفسا وذاتا وبالحمل المذكور علمت الرد على من قال أخذ على المصنف في إستعمال هذا اللفظ من وجهين إيهامه الجهة وأن علمه يتجزأ مع تنزهه عن الجهة وعن التجرؤ لعلمه الموهم مفارقته لذاته فكأنه قال وعلمه تعالى محيط بكل شيء حتى بحقيقة ذاته وصفاته بشهادة {أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ} [الطلاق: 12] و {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [الأنعام: 73] والدليل على إحاطة علمه تعالى بحميع الأمكنة والأزمنة وما فيها مع ما قدمنا من الآيات أنه خلق أي أوجد الإنسان وكذا غيره وإنما اقتصر على الإنسان لأجل قوله: {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ} أي تحدث {بهِ نَفْسُهُ} أي ما يقوله في نفسه ويخطر بباله.
قال الأجهوري وسوسة النفس ما يخطر ببال الإنسان ويهجس في ضميره من خير أو شر وإن غلب استعمالها في الشر وفسرنا حديث النفس بما يقوله في يفسه ويجريه على قلبه لقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ} [المجادلة: 8] فأطلق على حديث النفس قولا والوسوسة تطلق على الصوت الخفي وعلى كل ما يخطر بالبال ويهجس في ضسير الإنسان فالوسوسة والوسواس حديث النفس وسمي بذلك لخفائه أو لاشتغال المتصف به عن غيره والغالب استعمالها في الشر.
ولذا أضيفت للنفس وعموم الإنسان متناول الأنبياء لأنهم ليسوا معصومين من خواطر النفس ولا من وسوسة الشيطان قال تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200] وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى} [الحج: 52] أي قرأ: {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] أي قراءته مال ليس من القرآن ثم ينسخ الله جميع ما يلقيه الشيطان ويبطله ويثبت آياته قال بعض المفسرين وفي الآية دليل على أن الأنبياء يجوز