والحدوث الموجبيين للافتقار المنزه عنه الخالق جل وعلا وإنما استعملهما المصنف رحمه الله تعالى لما مر عند قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة: 255] من أن النفوس بجد عن التعظيم والهيبة عند سماع الأشياء المحسوسة الدالة على الكبرياء ما لم تجده عند عدم ذلك ولقيام الدليل القاطع على نفى مشابهته للحوادث في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] فلا ينبغى الاعتراض على المصنف بمثل ذلك مع وروده في القرآن قالى تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] وقال: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7] ولذلك لما بلغ العلامة يوسف بن عمر تعقب بقض الشيوخ لكلام المصنف بأنه أثبت لله مكانا رد هذا التعقب بورود الفوقية في القرآن قال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] معناه يخافون عذابه من فوقهم إن عصوه بالقهر والغلبة.
وقال: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127] وهو القاهر فوق عباده وما قيل من أن هذه اللفظة دست على المؤلف رده ابن ناجي قائلا ليس هذا من إطلاق المصنف وإنما هو من إطلاق السلف الصالح والصدر الأول ويمكن رد ابن ناجي بأن الذي أطلقه عليه السلف هو لفظ الفوقية الغير المقيدة بذاته ولإيهام إنما عظم من التقييد بذاته.
قال في التحقيق أخذ على المصنف في قوله بذاته وقيل هي دسيسة عليه فإن صح هذا فلا إشكال في سقوط الاعتراض عنه ولا عليه لأنه لم يرد بها سمع وسئل الشيخ عز الدين عن هذا هل يفهم منه القلو بالجهة أم لا وهل يكفر معتقدها أم لا فأجاب بأن ظاهره القول بالجهة والأصح أن معتقدها لا يكفر وما قاله عز الدين من أن ظاهره القول بالجهة يرده قول الإمام أبي عبد الله محمد بن مجاهد في رسالته مما أجمعوا على إطلاقه أنه تعالى فوق سمواته على عرشه دون أرضه إطلاقا شرعيا ولم يرد في الشرع أنه في الأرض فلذلك قال دون أرضه وهذا مع ثبوت علمهم باستحالة الجهة عليه تعالى.
فليس هذا عندهم مشكلا لعلمهم بفصاحة العرب واتساعهم في الاستعارة ونقل هذا الكلام بعينه المصنف وغير لفظه هنا قصدا للتقريب على المبتدى ء وإذا تقرر هذا فالناس عالة على الصدر الأول فإذا كان إطلاقهم هذا فيتعين علينا تفهمه بالتمثيل والبسط إذ قد غلبت العجمة على القلوب حتى ظنت أن هذا الإطلاق يلزم منه إثبات الجهة في حق المنزه عنها تقدس وتعالى واعلم أ الفوقية عبارة عن كون الشيء أعلا من غيره وتكون حية ومعنوية كزيد فوق الفرس والسلطان فوق الوزير وأن الذي يجوز عليه المكان يجوز أن تكون فوقيته حسية