فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 1223

وإنما كانت حقيقة ذاته غير معلومة لنا لأن العلم إما بالبداهة بأن يكون من غير نظر واستدلال وإما بالنظر وبطلان الأول ظاهر لأن ذاته غير متصورة بالبداهة اتفاقا وأما الثاني فلأن العلم الحصل بالنظر إما بالحد وإما بالرسم وكل منهما باطل أما الأول ملأن التعريف بالحد إنما يكون لما تقبل ذاته التحديد وهو المركب والتركيب مستحيل على ذاته ومنتف عنها إذ لا مثل له تعالى ولما لم يكن سبيل للخلق إلى معرفة حقيقته تعالى وإنما يعرفونه بصفاته أعرض موسى عليه السلام حين سأله فرعون عن الحقيقة حيث قال: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23] الذي قلت أنك رسوله أي أي شيء هو وأجاب بالصفة قائلا: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [مريم: 65] وقصد موسى عليه السلام بالإجابة باللصفة وترك الإجابة عن الحقيقة.

مع أن فرعون إنما سأل عن بيانها التنبيه على أن ذاته تعالى لا تعلم لأنه لا يعلم ولا يحد إلا ما له جنس وفصل مما هو مركب والتركيب مستحيل عليه تعالى ولما لم يدرك فرعون هذه النكتة اعترض على موسى عليه السلام وقال لأشراف أتباعه ممن حوله ألا تستمعون جواب موسى الذي لم يطابق السؤال سألته عن حقيقته تعالى فأجاب بصفاته فهو غير مطابق للسؤال ولم يبين موسى جهل فرعون وغلطه بل ذكر صفات أبلغ من الأول مشيرا إلى أن السؤال عن الحقيقة ليس من دأب العقلاء فقال: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء: 28] فتستدلون بما أقول فتعرفون ربكم وهذا غاية الإرشاد لأنه نبه أولا على الاستدلال1 بالعام وهو خلق السموات والأرض.

ثم بما هو أقرب إليهم وهو أنفسهم وآباؤهم ثم بالمشرق والمغرب لزيادة البيان والتدريج في الاستدلال وليعلم أن في كل شيء دليلا على وحدانيته تعالى وأما الثاني فلأن الرسم لا يفيد الحقيقة كما قاله الغزالي ومن وافقه والحكماء ونازع المتكلمون وجوزوا معرفة الذات.

ـــــــ

1 الاستدلال لغة: طلب الدليل وهو من دله على الطريق دلالة: إذا أرشده إليه وله في عرف الأصوليين إطلاقات أهمها اثنان:

الأول: أنه إقامة الدليل مطلقا أي سواء أكان الدليل نصا أم إجماعا أم غيرهما.

والثاني: أنه الدليل الذي ليس بنص ولا إجماع ولا قياس وفي قول: الدليل الذي ليس بنص ولا إجماع ولا قياس علة. قال الشربيني: الاستفعال يرد لمعان. وعندي أن المراد منها هنا أي في هذا الإطلاق الثاني الاتخاذ. والمعنى أن هذه الأشياء أتخذت أدلة أما الكتاب والسنة والإجماع والقياس فقيامها أدلة لم ينشأ عن صنيع المجتهدين واجتهادهم أما الاستصحاب ونحوه مما اعتبر استدلالا فشيء قاله كل إمام بمقتضى اجتهاده فكأنه اتخذه دليلا أنظر الموسوعة الفقهية 3/277, 278, والاستدلال عند الأصوليين ص 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت