الشر فليس كخير السابق لأنه أفعل تفضيل، والمعنى: أن قلوب المؤمنين قد اشتركت في حفظ الخير وأحسنها وأفضلها أشدها حفظا وضبطا له.
فإن قيل: أوعى أفعل تفضيل لا يبنى إلا من الذي يبنى منه فعل التعجب قال في الخلاصة:
صغ من مصوغ منه للتعجب ... أفعل للتفضيل وأب اللذ أبي
وأوعى زائد على ثلاثة، فالجواب أن يقال أوعى من وعى المجرد لا من أوعى.
"و"اعلم أيضا أن"أرجى القلوب"أي أقربها"للخير"أي لحفظه وقبوله"ما"أي قلب"لم يسبق"أي يسرع"الشر إليه"لأن القلب الذي لم يسبق الشر إليه الذي هو المعصية يقبل كل ما يرد عليه من الخير لعدم المانع، وإذا سبق الشر إليه عظمت الحيلة في إزالته فيندر قبوله للخير، ولذلك مثل بعضهم القلب بآنية الفخار الجديدة يجعل فيها القطران فلا تزول رائحته منها إلا بتعب ومشقة، وما أحسن قول الشاعر: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبا خاليا فتحكما وقال بعض الفضلاء: الشر أكثر والركون إليه أسرع ولا سيما في حال الصبا لقوله صلى الله عليه وسلم:"الصبا شعبة من الجنون"1 والقابلية في مدة الصبا للشر أعظم وأوفر من قابلية الخير لإعانة الجهل والنفس والشيطان على ذلك وعدم العقل الوافر.
ولذلك يجب على الولي أن يجنب الصبي القرناء السوء فإنهم أشد ضررا على الشباب، والطباع تسرق ولا سيما من المصاحبين ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:"المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل، والصاحب كالرقعة في الثوب فلينظر بماذا يرقع ثوبه"2.
تنبيه: قد علمت أن المصنف إنما ذكر هاتين الجملتين حثا للشيخ محرز وغيره على تعليمها لمن يقبل فهم معناها بسرعة، وهو من لم يخالط قلبه ما يمنعه من قبول الخير، لأن تعليم من قلبه مشغول بما يمنع لا فائدة فيه، ويدل لما ذكرنا ما هو كالتعليل له وهو قوله:"وأولى"مبتدأ وهو بمعنى أحق وأكثر ثوابا.
"ما عني"بصيغة المبني للمفعول أي اهتم واشتغل"به الناصحون"فاعل بمعنى لأنه بمعنى
ـــــــ
1 ضعيف: أخرجه القضاعي في مسند الشهاب 1/66 حديث 54. أنظر الضعيفة 5/483.
2 حسن: دون الصاحب كالرقعة أخرجه أبو داود كتاب الأدب باب: من يؤمر أن يجالس حديث 4833, وأحمد 2/334 بلفظ:"المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"وانظر صحيح الجامع 3545, أما بقية الرواية"والصاحب كالرقعة في الثوب"فلم أقف عليها.