فيهما بابان متباينان، ولأجل هذه الأسئلة لا يكاد فقيه يسأل عن حقيقة إمامه الذي يقلده فيه يحسن جوابه.
فجوابه أن يقال المذاهب التي تقلد فيها الأئمة خمسة أشياء: الأحكام الشرعية الفرعية والاجتهادية وأسبابها وشروطها وموانعها والحجج المثبتة للأسباب والشروط والموانع، فخرجت العقلية كالحسابيات، وخرجت الأصولية بالفرعية، وخرجت الضرورية بالاجتهادية، والمراد بالحجج المثبتة الأسباب والشروط إلخ ما تعتمده الحكام من البينات والأقارير، وينبغي أن يزاد على الخمسة قيد آخر أن لا يكون مجمعا عليه، فيقال مذهب مالك مثلا ما اختص به من الأحكام الشرعية الفرعية الاجتهادية، وما اختص به من أسباب تلك الأحكام وشروطها وموانعها.
الثاني: لو قلد شخص مذهبا معينا ملتزما له وأراد أن ينتقل لمذهب آخر هل يجوز له ذلك أم لا؟ فيه خلاف للعلماء على ثلاثة أقوال: الجواز مطلقا، عدم الجواز مطلقا، عدم الجواز إن عمل، والجواز إن لم يعمل.
والذي اقتصر عليه الزناتي الجواز فإنه قال: يجوز تقليد المذاهب في النوازل والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط: الأول: أن لا يجمع بين المذهبين على صفة تخالف الإجماع كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد.
الثاني: من شروط التقليد أن يعتقد فيمن يقلده الفضل ولو بوصول خبر إليه ولا يقلده زمنا في عمائه.
الثالث: من شروط التقليد أن لا يتبع رخص المذاهب هذا ملخص ما نقله الشهاب القرافي عن الزناتي، ونقل عن غيره جواز تقليد المذاهب والانتقال إليها في كل ما لا ينقض فيه قضاء القاضي وهو كل ما خالف قاطعا أو جلي قياس قال القرافي رحمه الله: إن أراد الزناتي بالرخص هذه فهو حسن، وإن أراد بها كل ما فيه سهولة على المكلف كيف لزمه أن يكون من قلد مالكا في المياه والأرواث وترك الألفاظ في العقود مخالفا لتقوى الله وليس كذلك.
الرابع: قد قدمنا أنه يجوز تقديم تقليد الأفضل ولو ميتا وهذا مما لا نزاع فيه، وأما تقليد المفضول ففيه ثلاثة أقوال: المختار يجوز تقليده إن اعتقده أفضل أو مساويا لا إن اعتقده مفضولا، لأنه يجب على أهل كل مذهب اعتقاد أفضلية إمامهم.