الخامس: حكم التقليد لواحد من أصحاب المذاهب الأربعة الوجوب حيث لم يكن في هذا المقلد أهلية الاجتهاد، وقيدنا بالمذاهب الأربعة لأن غيرهم لم يضبط مذهبه وإلا لجاز تقليده لأن الجميع على هدى؛ وإنما أطلت في ذلك لشدة الحاجة إلى معرفة ما ذكر"مع"بفتح العين على الفصيح أي سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة مصاحبة لكتابة"ما"أي الذي"سهل"أي يسر"سبيل"أي طريق"ما أشكل"أي صعب وعسر فهمه"من ذلك"المذكور في الجملة المختصرة أو من مذهب مالك وطريقته.
ثم بين المسهل بكسر الهاء بقوله:"من تفسير الراسخين"أي الثابتين في العلم من الصحابة كعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وعبد الله بن سلام وعبد الله بن الزبير المشهورين بالعدالة وكبعض أتباع الإمام مالك رضي الله تعالى عن الجميع فإنهم وضحوا ما خفي معناه من القرآن والحديث.
"و"من"بيان المتفقهين"المراد الفقهاء من أصحاب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه، كابن القاسم وأشهب وغيرهما فإنهم قيدوا ما أطلق وخصصوا ما عمم من الآثار، فإنهم بينوا خبر:"لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه"بأنه ليس على إطلاقه بل محل النهي إذا ركبنا بأن تقاربا وتوافقا، وخبر من ابتاع طعاما لا يبيعه قبل أن يستوفيه، بينوا أنه ليس على إطلاقه بل محل النهي إن كان الشراء على الكيل لا إن كان اشترى على وجه الجزاف وقوله صلى الله عليه وسلم:"البينة على المدعي واليمين على من أنكر"1 مقيد بما إذا كان هناك خلطة أو ظنة في غير المسائل المستثناة، وأضاف التفسير للراسخين والبيان للمتفقهين؛ لأن التفسير أشرف من البيان من حيث صعوبته لأنه الكشف عن المراد من اللفظ، والبيان هو التعبير عن إظهار ذلك المعنى المراد بعبارة جلية، والفضل والمزية لكاشف المراد، وإنما قلت المراد الفقهاء لأن المتفقهين في الأصل المتوسطون في الفقه وهذا المعنى لا يصح هنا.
تنبيهان: الأول: إذا أريد بالراسخين خصوص الصحابة كابن عباس ومن تقدم معه لم يصح جعل الإشارة في قوله من ذلك لمذهب مالك وطريقته أي قوله وقول أصحابه، لأن الصحابة
ـــــــ
1 أخرجه الترمذي كتاب الأحكام باب: ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه حديث 1341, بلفظ:"البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه"أما لفظ واليمين على من أنكر أخرجه البيهقي في الكبرى 10/252, حديث 20990, ولفظ الترمذي صحيح صحيح الجامع 2897, ولفظ البيهقي ضعيف ضعيف الجامع 2384.