وقال سحنون: العلم صيد والكتابة قيد ومفعول أكتب."جملة"أي طائفة من المسائل المقصودة للسائل"مختصرة"من الاختصار بمعنى الإيجاز أي قليلة اللفظ كثيرة المعنى، وإنما طلبها مختصرة لسهولة حفظ المختصر وضبطه، وترغيبا للطالب في تناولها ولبعض التفرقة بين الاختصار والإيجاز وهي أن الاختصار يكون في اللفظ والإيجاز يكون في المعنى، كما فرقوا بين الاقتصار والاختصار بأن الاقتصار هو الإتيان ببعض الشيء وترك بعضه والاختصار تجريد اللفظ اليسير من الكثير مع بقاء المعنى الأصلي. ولبعض الاختصار حذف بعض الكلام لدليل، والاقتصار حذف بعضه لغير دليل.
ثم بين ما تشتمل عليه تلك الجملة بقوله:"من واجب أمور الديانة"1فمن داخلة على واجب لبيان الجنس، والواجب لقب لأحد الأحكام الخمسة الشرعية وله ألقاب أخر: الفرض والمكتوب والمحتم والمستحق واللازم فهذه ستة. وأمور جمع أمر بمعنى الفعل وإن كان بمعنى القول المخصوص جمع على أوامر، والمراد هنا الأول بدليل إضافة الواجب إليه. والديانة مفرد الديانات مصدر دان يدين إذا طاع، والأولى تفسير الأمر بالشأن لأجل شموله للأقوال وغيرها، لأن أمور الدين التي سيذكرها منها القول وهو النطق بالشهادتين، ومنها الاعتقاد بالقلب، ومنها أفعال الجوارح.
وفي بعض النسخ الديانات بالجمع أورد عليها أن الدين الحق واحد، وأجيب بأنه جمع باعتبار أشخاص المكلفين أو باعتبار أنواع العبادات، والواجب الذي هو أحد الأحكام ما يمدح فاعله ويذم تاركه والحرام عكسه. وعرف بعضهم الواجب بأنه ما يثاب على فعله امتثالا ويعاقب على تركه اختيارا غالبا فيهما.
قال القرافي: ليس كل واجب يثاب على فعله ولا كل
ـــــــ
1 الفرض والواجب عند الجمهور بمعنى واحد إلا في الحج ويور اللفظان عندهم على معنى الثبوت والتقدير مطلقا وهو أعم من أن يثبت بدليل قطعي أو ظني وذهب الحنفية وأحمد في رواية إلى التفريق بين الفرض والواجب فمدار الفرض عندهم لغة على القطع وشرعا: على ما ثبت بدليل موجب للعلم قطعا من الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع ومدار الواجب عندهم لغة على السقوط واللزوم وشرعا: على ما يكون دليله موجبا للعلم فيثبت الواجب عندهم بدليل ظني.
ويظهر أثر التفريق بين الفرض والواجب عند الحنفية في أن جاحد الفرض كافر لأنه أنكر ما وجب عليه اعتقاد فرضيته قطعا ولا يكفر جاحد الواجب لأن دليله لا يوجب الاعتقاد وإنما يوجب العمل ولذا يفسق تاركه ومثال الأول الصلوات الخمس فإنها فرض علمي وعملي ومثال الثاني صلاة الوتر عند أبي حنيفة فهي فرض عملي ويقال له: فرض عملا واجب اعتقادا وسنة ثبوتا أنظر الموسوعة الفقهية 32/95, 96.