فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 1223

على أن التعريض بها أفضل من تسميتها فإنه شعار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ألا ترى أن أيوب قال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} [الأنبياء: 83] فعرض ولم يصرح، وكذا موسى عند قوله: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24] .

الثالث: آدابه كثيرة منها أن يصلح لسانه بأن يدعو بأدب حصول أمر ممكن عادة وشرعا فلا يدعو بمستحيل ولا يأتي بشيء من الألفاظ مما يعد إساءة أدب في

المخاطبات لوجوب تعظيم الله، ومنها أن لا يكون ملحونا مع القدرة على الإعراب لما جاء في الحديث:"لا يقبل دعاء ملحون"1قال ابن الصلاح: إلا أن لا يستطيع غيره فيعذر."فإنك"الفاء واقعة في جواب أما لما فيها من معنى الشرط."سألتني"الخطاب في الموضعين لمحرز لأنه السائل.

فإن قيل: كيف يصح جعل جملة"فإنك سألتني"جوابا مع أن الجواب لا يكون إلا مستقبلا لأنه معلق على الشرط، فالشرط سابق عليه ضرورة والواقع هنا خلاف ذلك، لأن سؤال محرز المدلول عليه بسألتني قد وقع في الزمان الماضي؟ فالجواب أن يقال: الحكم على جملة فإنك سألتني بأنها جواب على ضرب من المجاز لوقوعها في محل الجواب، والجواب حقيقة محذوف، وتلك الجملة معمولة له أقيمت ومقامه عند حذفه، والتقدير: أما بعد ما تقدم فإنى قائل لك إنك سألتني أي طلبت مني لخضوع السائل، واللفظ الدال على الطلب يكون مع استعلاء الطالب أمرا، ومع خضوعه سؤالا، ومع التساوي التماسا.

ولبعض السؤال والالتماس يكونان من المتماثلين، والدعاء طلب الأدنى من الأعلى والأمر عكسه، وقد تقرر في الشرع أن حكم السؤال عما يجب على السائل معرفته الوجوب. قال تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] وإن كان عن غير واجب أو كان وسيلة لنفع غير السائل كان مستحبا، والياء في سألتني هي المفعول الأول والثاني"أن أكتب لك"يا محرز والمراد أؤلف لك، وعدل عنه إلى أكتب تواضعا لما في التعبير بالتأليف من الإشعار بالتعظيم المنهي عنه، وأيضا في التعبير بالكتابة إشارة إلى جواز كتابة العلم خلافا لمن منع كتابته لئلا يعتمد على المكتوب ويترك الحفظ، ولكن في هذا الزمان لا يختلف في الجواز لقصر الهمم، ولذلك قال للذي شكا إليه سوء الحفظ:"استعن عليه بيمينك"2.

ـــــــ

1 موضوع: أنظر: كشف الخفا 1/288, والمصنوع 1/62, والأسرار المرفوعة 1/125.

2 ضعيف: أخرجه الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الرخصة فيه حديث 2666, أنظر ضعيف الجامع 813, ولفظه"استعن بيمينك".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت