والرجلان والبطن والفرج، وحفظها أن لا يرتكب بها منهيا عنه، لأن أبواب جهنم عضد الجوارح السبع من عصى ربه بجارحة يفتح له باب من تلك، ومن أطاعه بجوارحه السبع غلق عنه الأبواب السبع، وتفسير الودائع بالجوارح أولى من تفسيرها بالشرائع من الصلاة والزكاة وغيرهما من المأمورات، لأنه يقتضي التكرار في كلامه لقوله: وحفظ ما أودعنا من شرائعه، وقيل: المراد بها الأمانات، ويجوز إرادة جميع ما ذكر، لأن المكلف راع على جميع جوارحه وعبادته وسائر تصرفاته كما في حديث:"كلكم راع"وأعاننا الله وإياك يا محرز على"حفظ ما أودعنا"أي ائتمننا عليه وكلفنا به"من شرائعه"جمع شريعة وهي لغة الطريق، وشرائع الله أحكامه وتكاليفه، وحفظها الإتيان بها مع المداومة فيما تطلب إدامته كالصلاة والصوم ونحوهما على الوجه الكامل.
وقال الطيالسي: قلت لأبي محمد: ما الودائع التي أردت؟ قال: الإيمان، قلت: ما الشرائع؟ قال: الإسلام قلت: لم لم تجعلها شيئا واحدا؟ قال: وديعة الإيمان عقد خفي وديعة الإسلام كذلك مع عمل ظاهر جلي. قلت: ولم لم تقل وحفظ ما كلفنا من شرائعه؟ فسكت ا هـ. وأقول: يمكن الجواب بأنه إنما عبر بلفظ الودائع تلميحا بالآية، وقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ} [الأحزاب: 72] الآية، فإن المراد بها التكاليف، فلما سماها الله تعالى أمانة ناسب التعبير عنها بالودائع جمع وديعة وهي أمانة والتلميح من المحسنات البديعية، وعلى تفسير أبي محمد الودائع والشرائع بالإيمان والإسلام يكون عبر عن كل منها بلفظ الجمع تعظيما أو بالنظر لتعدد متعلق كل من الإيمان والإسلام.
"تنبهات"الأول: إنما أتى بهذا الدعاء قبل الشروع في المقصود لما أنه يستحب للإنسان الملازمة على الدعاء، ولا سيما الشارع في تأليف ينبغي له الإكثار من الدعاء لنفسه وللمتسبب لما ورد من أن من أهمل الدعاء فقد استهدف للبلاء، وقال صلى الله عليه وسلم:"من لم يسأل الله يغضب عليه"1 واقتصر على تينك الدعوتين لأجل الاختصار فلا ينافي أن بسطه أفضل من اختصاره، وما قيل من أن أدعية السلف لا تزيد على سبع كلمات غير معول عليه، أو المراد من الإخبار بما اتفق منهم فلا ينافي أن الزيادة أفضل.
الثاني: لم يعلم هل الأفضل للداعي التصريح بحاجته أو عدم التصريح، وقد نص العلماء
ـــــــ
1 حسن: أخرجه الترمذي كتاب الدعوات حديث 3373, وأبو يعلى في مسنده 12/11, حديث 6655, وحسنه الألباني صحيح ابن ماجه 3827.