منهما وصلة فهدى.
"بفضله"أي بمحض عطائه وامتنانه، لأنه لا يجب عليه تعالى شيء لخلقه لإصلاح ولا أصلح.
"وأضل"بمعنى خلق سبحانه وتعالى القدرة على الكفر والعصيان في قلب"من خذله"أي أراد خذلانه أي عدم إيمانه وتوفيقه، لأن الخذلان ضد التوفيق فهو خلق القدرة على المعصية في العبد والداعية إليها، أو خلق قدرة المعصية في العبد على الرأيين في التوفيق، ويرادفه اللطف وهو ما يقع عنده صلاح العبد آخرة بأن تقع منه الطاعة دون المعصية، والمراد بآخرة آخر الأمرين بأن يريد فعل المعصية ثم يعدل عنها إلى فعل الطاعة لآخر عمره.
قال اللقاني بعد كلام طويل: فبهذا ظهر ترادف التوفيق والعصمة واللطف والضلال والخذلان والكفر عرفا أو تساويها وصلة خذله"بعدله"أي بوضعه الشيء في محله لأنه تعالى يستحيل عليه الظلم والجور.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] وقال: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} [يونس: 44] والعدل ما للفاعل أن يفعله من حجر عليه، فالحاصل أن توفيقه تعالى لبعض خلقه محض فضل وإضلاله لبعضهم محض عدل، لأنه تعالى لا يجب عليه شيء لخلقه خلافا للمعتزلة في قولهم بوجوب الصلاح والأصلح على الله لعباده لبطلان مذهبهم. قال صاحب الجوهرة:
وقولهم إن الصلاح واجب ... عليه زور ما عليه واجب
ألم يروا إيلامه الأطفالا ... وشبهها فحاذر المحالا
وكيف يجب عليه فعل الصلاح والأصلح وقد أمات المرسلين والعلماء الذين يرشدون الخلق إلى معرفة ما يجب عليهم وما يحرم، وأحيا إبليس وأعوانه الساعين في الفساد والإضلال إلى يوم الدين، وخلق الكافر الفقير المعذب في الدنيا بالفقر والأسقام وفي الآخرة بالتخليد في النار، ومما يبطل مذهبهم ما حكي من المناظرة بين الشيخ أبي الحسن الأشعري إمام هذا الفن وبين شيخه أبي علي الجبائي المعتزلي، لأن الأشعري كان تلميذا له في مبتدأ أمره، ثم رجع عن مذهبه إلى كلام أهل السنة لما تبين له فساد مذهبه، والذي ناظره فيه قصة الإخوة المشهورة قائلا له: ماذا تقول في ثلاثة إخوة مات أحدهم صغيرا وكبر اثنان فكفر أحدهما وآمن الآخر ما حكمهم؟ فقال الجبائي في الجواب: المطيع والصغير يدخلان الجنة والكافر يدخل النار، فقال له الأشعري: هل يستويان في الجنة؟ فقال: لا، لأن الكبير عمل الطاعات.
قال له الأشعري: فلو قال له الصغير يا رب كان الأصلح أن تحييني حتى أصير كبيرا