فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 1223

الأعمال المقبولة، وأيضا النار إنما يخلد فيها الكفار وأهل الفترة ومن ذكر معهم غير كفار، وقيل هؤلاء في المشيئة، وقيل يبعث لهم يوم القيامة نذير فإن أطاعوه دخلوا الجنة وإن عصوه دخلوا النار، ولما كان التنبيه بآثار مصنوعاته والإعذار بإرسال الرسل سببا للهداية للإيمان وفقدهما سببا للغواية والكفران قال بفاء السببية الدالة على تسبب ما بعدها عما قبلها.

"فهدى"الله سبحانه وتعالى بمعنى أرشد ودل، لأن حقيقة الهداية عند أهل السنة على ما اشتهر في النقل عنهم هي الدلالة1 على طريق توصل إلى المطلوب، سواء حصل الوصول والاهتداء أو لم يحصل، وعند المعتزلة الدلالة الموصلة إلى المطلوب ويرد عليهم آية: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت: 17] لأنهم لو وصلوا لما استحبوا العمى على الهدى، ويدل لأهل السنة آية: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] لأن معناه لا توصل، وأما إرشاده إدلاله فمعلوم لا ريب فيه، ويحتمل أن معنى هدى خلق قدرة الطاعة في قلب من أراد توفيقه للإيمان، لأن فاعل هدى هو الله سبحانه وتعالى، وهذا تفسير مناسب لقوله بعد: وأضل من خذله بعدله، لأن معنى أضل خلق قدرة المعصية في قلب من أراد خذلانه كما يأتي، والأول مناسب لقوله فيما يأتي: فآمنوا بالله بألسنتهم بناء على أنه مفرع على قوله هنا فهدى.

"من وفقه"أي أراد توفيقه للإيمان إذ الموفق بالفعل مؤمن، وحقيقة التوفيق في اللغة التأليف وجعل الأشياء متوافقة وشرعا. قال إمام الحرمين: خلق القدرة على الطاعة والداعية إليها في العبد، وقال الأشعري: خلق قدرة الطاعة في العبد ولا يصدق على الكافر أنه موفق لأنه أراد بالقدرة العرض المقارن لفعل الطاعة لا سلامة الآلات التي بنى عليها الأول، فزاد قيد الداعية لإخراجه لأنهم اختلفوا هل القدرة على الطاعة تخلق قبلها أو مقارنة لها؟ فإمام الحرمين بنى كلامه على أن القدرة على الطاعة تخلق قبلها فاحتاج إلى زيادة قيد الداعية، والأشعري بنى كلامه على أن القدرة على الطاعة تخلق مقارنة لها فالكافر والفاسق غير موفقين لعدم حصولها

ـــــــ

1 الدلالة: بفتح الدال وكسرها جمع دلائل مصدر دل: أرشد وهي: كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر ودلالة اللفظ على معناه مطابقة وعلى جزئه تضمن وعلى لازمه الذهني التزام والأخير شاملة لدلالة الاقتضاء ودلالة الإيماء إن توقف صدق المنطوق أو صحته على إضماء فدلالة إقتضاء وإلا فإن دل على ما لم يقصد فدلالة إشارة وإلا فدلالة إيماء.

فالأول: كخبر:"وضع عن أمتي الخطأ والنسيان"أي المؤاخذة بها.

والثاني: كقوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] أي أهلها.

والثالث: كقولك لمالك عبد أعتقه عني ففعل أي ملكه لي فأعتقه عني والدلالة: بفتح الدال من دل فعل الدال أنظر معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية 2/84, ومعجم لغة الفقهاء 210.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت