وادعى الحائز أنه كان عالما بذلك فالقول قول المحاز عنه.
"و"بسبب ابتدائه وامتنانه عليه بما تقدم من تعليمه"كان"أي صار"فضل الله عليه عظيما"بسبب ما امتن عليه من إيجاده وتعليمه ما لم يكن يعلم الذي أعظمه معرفة الباري المترتب عليها الخلود في الجنة مع الفوز بالنعيم المقيم، إذ لا فضل أعظم من هذا، والفضل إعطاء الشيء من غير عوض لا في الحال ولا في المال، وهذا لا يكون من غيره تعالى، وإنما قال عظيما دون غيره من الأوصاف لاندراج كل صفة حسنة تحت العظمة.
تنبيه في قوله وعلمه تلميح بالآية السابقة وهو من المحسنات البديعية وليس فيه رواية القرآن بالمعنى للإجماع على منعها، وليس باقتباس أيضا لكثرة التغيير فيه والله أعلم.
"و"من فضله تعالى على الإنسان أن"نبهه"أي أيقظه من غفلته بأن جعل له عقلا يهتدي به إلى الاستدلال"بآثار"أي محدثات"صنعته"على معرفة صانعه، والمراد بصنعته صنعه أي إيجاده، وحاصل المعنى: أن الله تعالى جعل لعبده ما يستدل به على معرفة وجوب وجود خالقه ووحدانيته وسائر ما يجب عليه له سبحانه وتعالى وهي جميع المخلوقات التي هي آثار صنعته، فإن النظر فيها يوصل إلى ذلك، وإنما فسرنا الصنعة بالصنع الذي هو الإيجاد لأن الصنعة حقيقة هي العلم الحاصل من التمرن في العمل ولا تصح إرادتها هنا، وطريق الاستدلال بالآثار على معرفة وجوب وجوده أن تركب قياسا بأن تقول: هذه الآثار مصنوعات، وهذه يقال لها مقدمة صغرى، وكل مصنوع لا بد له من صانع تام العلم والقدرة، ويقال لهذه مقدمة كبرى ينتج هذه المصنوعات لها صانع، ومن الطرق الموصلة إلى معرفة وجود الخالق أيضا أن تنظر إلى أقرب الأشياء إليك وهي نفسك فتعلم بالضرورة أنك لم تكن ثم كنت، فتعلم أن لك موجودا أوجدك لاستحالة أن توجد نفسك، وهو محال لما يلزم عليه من التقدم على نفسه والتأخر عنها لوجوب سبق للفاعل على فعله.
تنبيه:لم يعلم من كلام المصنف حكم نظر الإنسان في نفسه أو غيرها من المخلوقات، والحكم فيه الوجوب للاتفاق على وجوب معرفة الله بالدليل ليخرج من التقليد1 إلى
ـــــــ
1 التقليد لغة: مصدر ققلد أي جعل الشيء في عنق غيره مع الإحاطة به. وتقول: قلدت الجارية إذا جعلت في عنقها القلادة فتقلدتها هي وقلدت الرجل السيف فتقلده: إذا جعل حمائله في عنقه. وأصل القلد كما في لسان العرب لي الشيء على الشيء نحو لي الحديدة الدقيقة على مثلها ومنه: سوار مقلود. وفي التهذيب: تقليد البدنة أن يجعل في عنقها عروة مزادة أو حلق نعل فيعلم أنها هدي. وقلد فلانا الأمر