الله تعالى، وعلى الاحتمالين المصدر مضاف إلى الفاعل، وأما إن لم يكن له أم كآدم وحواء عليهما الصلاة والسلام فرفقه به نفخ الروح فيه وإقداره على النطق لأنه ينال بهما لذة الدنيا والآخرة إن كان من أهل الطاعة، فأنواع رفق الله بالإنسان كثيرة ولا حصر لها، ففيها زيادة على ما تقدم وهو خروجه من بطن أمه برأسه في أغلب الأحوال دون رجليه، وجعل حجر أمه له وطاء وثديها له سقاء ولبنها معتدلا بين العذوبة والملوحة إذ لو كان أحدهما فقط لسئمه، وجعل باردا في الصيف حارا في الشتاء.
"و"أبرزه أيضا إلى تناول"ما يسر"أي مسهل"له من رزقه"وهو ما ينتفع به أكلا أو شربا أو لبسا، إذ الرزق عند أهل السنة ما ينتفع به، تكفل سبحانه وتعالى لكل حيوان بمحض فضلة لا عن إيجاد ولا جواب، إذ لا يجب عليه سبحانه لمخلوقه شيء وما أوهم الوجوب كقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 60] ونحو: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54] ، فمعنا بمحض فضله وبكون الرزق من حلال وحرام فالبهائم مرزوقة، وقيل الرزق ما ملك وهو قول ضعيف لاقتضائه أن الله تعالى يقال له مرزوق لأنه مالك لجميع الموجودات، ولاقتضائه أن البهائم وكل من لا يملك غير مرزوق، ولاقتضائه أن الإنسان يأكل رزق غيره وأنه يموت قبل استيفاء رزقه، وجميع ذلك لا يصح.
قال صاحب الجوهرة:
والرزق عند القوم ما به انتفع ... وقيل لا بل ما ملك وما اتبع
فيرزق الله الحلال فاعلما ... ويرزق المكروه والمحرما
والأرزاق مقسومة معلومة عند أهل السنة لا تزيد بتقوى ولا تنقص بفجور قال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الزخرف: 32] وهذا لا ينافي الزيادة في البركة والنقصان بسبب الطاعة والعصيان، إذ المنفي الزيادة الحسية والنقص الحسي. ولما بين المصنف أن الله تعالى بدأ الإنسان وأحسن تقويمه، شرح في تعديد نعمه عليه فقال:"وعلمه"أي وعلم الله الإنسان ومفعول علم"ما لم يكن"عند خروجه من بطن أمه"يعلم"قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ} [النحل: 78] الآية، فشمل كلام المصنف كالآية العلم الحاصل بإلهام واكتساب، وأول ما يعلمه الإنسان معرفة آبائه وأقاربه، ثم تميزه بين الحيوانات، ثم معرفة الضروريات من الآلام واللذات والفرح والحزن والسرور، ثم معرفة وجوب وجوده تعالى وتوحيده وما يترتب على ذلك، وهذا صريح في أن الأصل في الإنسان الجهل حتى بنوا عليه مسألة فقهية وهي: لو حاز شخص شيئا وادعى المحاز عنه الجهل