فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 1223

"بحكمته"أي بإتقانه وابتداعه على وجه المصلحة له، حيث خلق له بصرا وجعله في أعلاه لتكون منفعته أعم، وجعل عليه أجفانا كالأغطية تقيه من سائر الآفات، وجعلها متحركة تنطبق وتنفتح بمقدار الحاجة، وجعل في أطرافها شعرا لمنع لدغ الذباب والهوام إن نزلت عليها، وجعلها زينة لها كحلية ما يحلى، وجعل عظم الحاجب بارزا يقيها ويدفع عنها لأنها لطيفة في شكلها، وجعل وجهه لظهر أمه لئلا يتأذى بحر الطعام والشراب، وجعل غذاءه في سرته وأنفه بين فخذيه ليتنفس في فارغ، وفسرنا الحكمة بالإتقان إلخ، لأن التصوير تأثير فلا يحسن تفسير الحكمة بالعلم؛ لأن العلم صفة إحاطة، والتصوير تشكيل ونقل للشيء من حال إلى حال، فهو تأثير بالإتقان والإحكام بقدرته على وفق ما سبق في علمه وخصصته إرادته، فالحكمة وضع الشيء في محله؛ وبقولنا التصوير نقل للشيء إلخ ظهر صحة تعلق القدرة والأحكام بالتصوير، وعدم صحة تعلق القدرة في الموجود إنما ذلك في موجود كمل وجوده، وأما مجرد حصول النطفة في الفرج فتعلق القدرة والحكمة باق فيها حتى تصور على الحالة التي أرادها الخالق وسبق علمه بها.

تنبيهان الأول: علم مما قررنا أن الضمير المستتر في صوره عائد على الله، والبارز المنصوب على الإنسان والضمير المجرور بحكمته عائد على الله.

الثاني: أشار بقوله بنعمته إلخ إلى زيادة الصفات على الذات لما سبق من أن النعمة بمعنى القدرة، ففيه رد على النفات وعلى الطبائعيين القائلين بأنه تعالى فاعل بالذات لا بالاختيار، وعلى النصارى في قولهم: إن عيسى ابن الله، لأن المصور بالكسر لا يكون أبا للمصور بالفتح حتى غيروا قوله تعالى، في التوراة: عيسى نبي الله وأنا ولدته بتشديد اللام بعيسى بني بلفظ التصغير وأنا ولدته بفتح اللام مخففة من الولادة، وإنما قلت أفراد الإنسان لأن منه من لم يصور في رحم كآدم عليه الصلاة والسلام، والحاصل أن الإنسان على ثلاثة أقسام: من لا أب ولا أم وهو آدم وحواء، ومن له أم دون أب وهو عيسى عليه الصلاة والسلام ومن له الأب والأم وهو الباقي.

"وأبرزه"أي وأخرج الله الإنسان من ضيق البطن بعد تصويره."إلى رفقه"أي ارتفاقه بما يجده بعد خروجه من أنواع الراحة واللذة، وعلى هذا فالمصدر مضاف إلى الفاعل وهو الإنسان، ويحتمل أن فاعل الرفق هو الله تعالى والمعنى عليه وأبرز تعالى الإنسان إلى إرفاقه تعالى به بإخراجه من بطن أمه، فتلخص أنه يجوز أن يكون الضمير في رفقه إلى الإنسان وإلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت