هل الكافر منعم عليه على ثلاثة أقوال: فالذي عليه الأشعري أنه غير منعم عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقيل: منعم عليه فيهما وهو قول المعتزلة لأنه ما من عذاب إلا وثم ما هو أشد منه، وقيل: منعم عليه في الدنيا دون الآخرة، وأما النعمة بالفتح فهي المصدر أي النعم، وأما بالضم فهي السرور، ونعم الله تعالى على عباده لا تحصى. قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] أي إن تريدوا عدها لا يمكنكم ذلك.
فإن قيل: الله تعالى ابتدأ جميع الحوادث فما وجه الاقتصار على الإنسان؟ فالجواب أنه إنما اقتصر عليه لأنه أشرف الموجودات، فلا ينافي أن جميع الموجدات عمتها نعمة الإيجاد، واختلف العلماء في أول نعمة على العبد فقيل الوجود وهذه عامة حتى للكافر، وقيل الحياة التي تؤول إلى إدراك اللذات التي لا يعقبها ضرر.
تنبيهان الأول: وقع التوقف من بعض الأكابر في بعض المخلوقات غير الحيوانات كالأشجار والأحجار هل هي منعم عليها أو وجودها نعمة على الغير؟ وأقول: الذي يظهر لي من كلام العلماء في حد النعمة هو الثاني، لأن وجود الجمادات ونحوها كل ما لا نفع له بوجود نفسه نعمة على غيره من كل ما يترتب على وجوده انتفاع به وليس منعما عليه، بخلاف الحيوان فإنه منعم عليه بنحو الصحة والأكل والشرب كالإنسان.
الثاني: أفضل النعم على الإنسان كتب الإيمان في قلبه لأنه سبب للخلود في الجنة، ولما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام: أنه سمع رجلا يقول: الحمد لله على نعمة الإسلام، فقال له:"يا هذا قد حمدت الله تعالى على نعمة لم تحمده على نعمة أفضل منها".
ولذا قال في الجزائرية:
فليس يحصى الذي أولاه من نعم ... أجلها نعمة الإيمان بالرسل
من ذا من الخلق يحصي شكر واهبها ... لو كان يشكر طول الدهر لم يصل
وأما فضلها في حق غير المسلم فتأخير عقوبته في الدنيا، وقيل: توفيقه لما يجازى عليه في الدنيا أو في الآخرة خيرا كالصدقة ونحوها.
"وصوره"أي وشكل الله معظم أفراد الإنسان على الشكل الذي أراده"في الأرحام"جمع رحم وهو موضع نطفة الذكر في فرج الأنثى، وجمعها باعتبار أفراد الإنسان أو باعتبار الظلمات الثلاث التي هي البطن والرحم والمشيمة.