والورع والاحتياط في بره بالإتيان بجميعها، ولا يشكل على هذا الخلاف أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، لأن هذا بالنظر للدخول في الإسلام والحمد يقع على السراء والضراء، بخلاف الشكر فإنه لا يقع إلا على السراء، وحكم الحمد الوجوب في العمر مرة بقصد أداء الواجب كالنطق بالشهادتين ولو في حق المسلم الأصلي، وما زاد على المرة فمستحب، ووصف مدلول لفظ الجلالة بقوله:"الذي"اسم موصول صلته"ابتدأ"أي أوجد جميع أفراد"الإنسان"من غير سبق مثال، والمراد به الواحد من البشر الشامل للذكر والأنثى بناء على أن اشتقاقه من التأنس، وأما على أن اشتقاقه من ناس ينوس إذا تدلى وتحرك فليشمل الجن، فأل في الإنسان للاستغراق الشامل لآدم وعيسى عليهما السلام، ويكون قوله الآتي: وصوره في الأرحام راجعا لبعض ما تقدم، لأن آدم لم يصور في رحم وكثيرا ما يذكر العام، ويعود الضمير على بعض أفراده كقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} إلى قوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} فإن ضمير المطلقات عام وضمير بعولتهن خاص بالرجعيات، وبدأ بالهمز وابتدأ بمعنى، وأيضا المصنف لم يقصد الإتيان بلفظ القرآن ولا بمعناه للإجماع على حرمة رواية القرآن بالمعنى لأنه يتعبد بلفظه، والوصف هنا كاشف؛ لأن الخالق والمبتدئ ليس إلا الله، قال جل من قائل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المؤمنون: 12- 13] فالأول آدم والثاني ذريته، لكن غير عيسى خلق من ماء الأم والأب، وأما عيسى فإنه من نطفة أمه فقط إذ لا أب له، وذلك أن الملك تمثل لها بصورة بشر شاب أمرد حسن الصورة لشدة اللذة بالنظر إليه فنزل الماء منها إلى الرحم فتولد عيسى عليه السلام بمجرد النفخة الموجبة للذة منها، فهو من نطفة أمه فقط قاله الحلبي.
وفي هذا رد على الطبائعيين في إنكارهم وجود مولود من ماء أحد الزوجين دون الآخر، هكذا قال بعض العلماء، وهذا بخلاف قول المفسر بعد قول الله تعالى لمريم حين قولها: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [مريم: 20- 21] بأن ينفخ - بأمري - جبريل فيك فتحملي به، فهذا ليس فيه تصريح بأنه خلق من مائها وحرره وصلة ابتدأ.
"بنعمته"تعالى واختلف في المراد بنعمته فقيل قدرته لأن القدرة من صفات التأثير، وقيل المراد بها الإنعام وهو أظهر، فتكون الباء سببية أي ابتدأه. بسبب إنعامه عليه الإيجاد من العدم، وحقيقة النعمة بكسر النون كل ما ينتفع به من كل ملائم تحمد عاقبته، ومن ثم اختلف