مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وهذا ظاهر في الخير الخالص والشر المحض. وإنما الإشكال إذا لم يعرف خير الخيرين وشر الشرين أو يعرف ترجيح المصلحة على المفسدة أو ترجيح المفسدة على المصلحة أو جهلنا المصلحة والمفسدة، ومن المصالح والمفاسد ما لا يعرف إلا كل ذي فهم سليم وطبع مستقيم يعرف بهما دق المصالح والمفاسد وجلهما، وأرجحهما من مرجوحهما، وتفاوت الناس في ذلك على قدر تفاوتهم فيما ذكرته، وقد يغفل الحاذق الأفضل عن بعض ما يطلع عليه الأخرق المفضول ولكنه قليل. وأجمع آية في القرآن للحث على المصالح كلها والزجر عن المفاسد بأسرها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فإن الألف واللام في العدل والإحسان للعموم والاستغراق، فلا يبقى من دق العدل وجله شيء إلا اندرج في قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} ولا يبقى من دق الإحسان وجله شيء إلا اندرج في أمره بالإحسان، والعدل هو التسوية والإنصاف، والإحسان: إما جلب مصلحة أو دفع مفسدة وكذلك الألف واللام في الفحشاء والمنكر والبغي عامة مستغرقة لأنواع الفواحش ولما يذكر من الأقوال والأعمال. وأفرد البغي - وهو ظلم الناس - بالذكر مع اندراجه في الفحشاء والمنكر للاهتمام به، فإن العرب إذا اهتموا أتوا بمسميات العام. ولهذا أفرد البغي وهو الظلم مع اندراجه في الفحشاء والمنكر للاهتمام به، كما أفرد إيتاء ذي القربى بالذكر مع اندراجه بالعدل والإحسان.
[فائدة] الإحسان لا يخلو عن جلب نفع أو دفع ضرر أو عنهما. وتارة يكون في الدنيا، وتارة يكون في العقبى: أما في العقبى فتعليم العلم والفتيا والإعانة على جميع الطاعات وعلى دفع المعاصي والمخالفات، فيدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان. وأما في الدنيا فبالإرفاق الدنيوية ودفع المضار الدنيوية، وكذلك إسقاط الحقوق والعفو عن المظالم. قال بعض العلماء ينبغي أن لا يعفى عن