الظالم كي لا يجترئ على المظالم وهو بعيد من القواعد، لأن الغالب ممن يعفى عنه أنه يستحي ويرتدع عن الظلم ولا سيما عن ظلم المعافى وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم:"بأنه لا يجزي بالسيئة السيئة". ولكن يعفو ويصفح، مع أن الجرأة عليه أقبح من كل جرأة، ولأن العفو لا يؤدي إلى الجرأة غالبا إذ لا يعفو من الناس إلا القليل، وقد مدح الله العافين عن الناس وهو عفو يحب العفو، وقد رغب في العفو بقوله: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} وقال في القصاص: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} . قال بعضهم لو أرخص بعض الناس في السعر على الناس وسامحهم في البيع وساهلهم في الثمن من ذلك لما يؤدي إليه من كساد أهل سوقه، وهذا أيضا بعيد فإن الذين يسامحون من المشترين أكثر من الكاسدين من أهل السوقة فلا ترجح مصالح خاصة على مصالح عامة، وقد قال عليه السلام:"رحم الله رجلا سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا قضى، سمحا إذا اقتضى". المثال الثاني والعشرون: الكتابة وهي خارجة عن القياس، فإنها في الحقيقة هي بيع ملك السيد وهو الرقبة بما يملكه من اكتساب العبد، لكن الشرع قدر الأكساب خارجة عن ملك السيد. وجعل الأعمال الواقعة بينه وبين السيد كالمعاملة الواقعة بين السيد وبين الأجنبي تحصيلا لمصالح العتق. ولكن مذهب الشافعي رحمه الله مشكل من جهة أنه شرط في الكتابة التنجيم بنجمين. ولو كاتبه على ثمن درهم وأجله مثلا بشهر لم يصح عند الشافعي مع كونه أقرب إلى تحصيل العتق، وهذا لا يلائم أوضاع العقود لأن كل ما كان أقرب إلى تحصيل المقصود من العقود كان أولى بالجواز لقربه إلى تحصيل المقصود، وقد خولف في ذلك ومنع أيضا من الكتابة الحالة مع كونها مقتضية لتعجيل تحصيل المقصود، وقد علل ذلك بعجز المكاتب عن النجوم الحالة، وقد رد ذلك بالبيع من المفلس. وأجيب عنه بأنه يملك المبيع فيكون موسرا به، وهذا لا يستقيم، فإنه لو اشترى ما يساوي درهما واحدا بمائة درهم حالة فإن البيع يصح مع عجزه عن معظم الثمن. وكذلك