الكفر والعناد على بلاد الإسلام، ولا يقطع الناس عن الحرف والصنائع والأسباب التي تقوم بمصالح الأنام.
قال الإمام رحمه الله: ولا يتبسط في هذه الأموال كما يتبسط في المال الحلال بل يقتصر على ما تمس إليه الحاجة دون أكل الطيبات وشرب المستلذات ولبس الناعمات التي هي بمنازل التتمات، وصور هذه المسألة أن يجهل المستحقين بحيث يتوقع أن يعرفهم في المستقبل، ولو يئسنا من معرفتهم لما تصورت هذه المسألة لأنه يصير حينئذ للمصالح العامة، وإنما جاز تناول ذلك قبل اليأس من معرفة المستحقين، لأن المصلحة العامة كالضرورة الخاصة، ولو دعت ضرورة واحد إلى غصب أموال الناس لجاز له ذلك بل يجب عليه إذا خاف الهلاك لجوع أو حر أو برد، وإذا وجب هذا لإحياء نفس واحدة، فما الظن بإحياء نفوس، مع أن النفس الواحدة قد لا يكون لها قدر عند الله، ولا يخلو العالم من الأولياء والصديقين والصالحين، بل إقامة هؤلاء أرجح من دفع الضرورة عن واحد قد يكون وليا لله، وقد يكون عدوا لله، وقد جوز الشرع أكل اللقطة بعد التعريف ولم يشترط الضرورة. ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد، حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص، فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك. ومثل ذلك أن من عاشر إنسانا من الفضلاء الحكماء العقلاء وفهم ما يؤثره ويكرهه في كل ورد وصدر ثم سنحت له مصلحة أو مفسدة لم يعرف قوله فإنه يعرف بمجموع ما عهده من طريقته وألفه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة. ولو تتبعنا مقاصد ما في الكتاب والسنة، ولعلمنا أن الله أمر بكل خير دقه وجله، وزجر عن كل شر دقه وجله، فإن الخير يعبر به عن جلب المصالح ودرء المفاسد، والشر يعبر به عن جلب المفاسد ودرء المصالح، وقد قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ