ثالثًا: إن القول بأن العصر الذي كثر فيه هذا النمط التأليفي هو عصر انحطاط أنشغل فيه العلماء بأمور الدنيا , وجهل فيه الحكام قيمة العلم , هو قول يدفعه الواقع التاريخي , وزعم يدحضه ما هو معروف مشاهد , فكتب التراجم حكت لنا ما كان للعلوم كلها في عصر المماليك على وجه الخصوص من ازدهار وانتشار , وما كان للعلماء فيه من منزلة رفيعة , وما كان للحكام آنذاك من اهتمام بالعلم والعلماء . والمطالع لفهارس المخطوطات يجد الكثير الكثير مما ينطق بما حفل به عصر المماليك خاصة من ألوان المعارف والفنون , مما يتعذر معه رمي عصرهم وعصر العثمانيين الذين تلاهم بالتخلف والجمود والضحالة . وإني لذلك لا أرى صحيحًا ما ذهب إليه سعيد الأفغاني من انتقاد لأسلوب هذه المنظومة التأليفية عامة وللمتون منها خاصة حين قال إنه:"أسلوب جروا عليه في العصور التي جمدت فيها الملكات , على ما فيه - أي المتن - من عناء على الماتن والطالب معًا". إن هذين العصرين اللذين يصفهما الأفغاني بالجمود هما اللذان أخرجا ابن الحاجب وابن مالك وابن هشام والسيوطي وغيرهم من أشهر النحويين الذين لا يستطيع أحد من المنصفين أن ينكر فضلهم العميم فضلًا عن أثرهم العظيم في الدرس النحوي .
رابعًا: إن القول بأن منهج التصنيف وأسلوبه ومضمونه في كتب هذه المنظومة التأليفية لا ينطبق مع الوسائل التربوية الحديثة غير دقيق ؛ لأنها - فيما أرى - تمتاز في هذه الأمور على غيرها من الكتب التي صنفت في العصر الحديث , فهي ترمي فيها جميعًا إلى غاية تعليمية مميزة , وإن الناظر المنصف في ذلك النظام التأليفي يلمس بوضوح تميزه التربوي في"معالجة العبارات والنقاش في تأويل معناها ومبناها والدوران حولها , لتفهمها بطرق مختلفة وتعرف نقصها , وتذليل صعابها , وتجلية غموضها . وكل هذا له فائدة في شحذ الفكر وتكوين ملكة الفهم والمران على حل المعضلات اللفظية وعلى الجدل العلمي".