إنني أرى أن ما ذهب إليه المنتقدون لهذا النوع من التصنيف وزعموه غموضًا وتعقيدًا ليس في حقيقة الأمر سوى عمق لم يستطيعوا فهمه أصلًا , أو لم يتمكنوا من فهمه على الوجه الصحيح في أحسن الأحوال . ولنا في قدامى العلماء الذين صبروا على ما في المتون من غموض , وعمدوا إلى إزالته , أو إيضاح أو إكمال ما فيها من نقص - بدون أن يلجئوا إلى القدح - أسوة حسنة .
أما الإيجاز فإنه ليعد عيبًا إذا كان القصد منه تسهيل الحفظ وسرعة استحضار المعلومات , إنه في حقيقة الأمر"طور طبيعي في تاريخ التأليف , إذ لابد من أن يعقب طور التوسع طور يقرب لطلاب العلم وناشئته تناول مسائل العلم , ويعاونهم على بلوغ إربتهم من العلم في وجازة وعجلة , وبخاصة صغار المثقفين , ويجمع لهم حقائق العلم في متون يسهل حفظها , فاستحضارها وقت الدرس لتكون موضع المناقشة والشرح ...".
ثانيًا: أما ما زعم من تشتيت المتون ذهن المتعلم بين التحصيل وتذليل الصعاب , وما عيب من حشد الآراء وتكدس المسائل في الشروح والحواشي , فقد كفانا الشيخ محمد عرفة مهمة الرد على ذلك , فهو يرى أن العلم إنما"يمتاز بفهم الغامض وإدراك البعيد وحل المستغلق , وذلك لا يكون إلا بتعويد المرء على شيء من الصعاب ؛ ليمرن عقله على حل ما يماثلها , وكما أن الرجل الرياضي لا يكون قويًا على حمل الأثقال إلا بالتعود على حمل أحمال ثقيلة متدرجًا في ذلك , كذلك لا يكون عقله قادرًا على حل الصعاب إلا إذا عود عقله على حل مسائل عويصة متدرجًا في ذلك".