أولًا: إن الغموض الذي رأوه عيبًا في هذا النظام من التصنيف ، ليس في رأيي عيبًا حقيقيًا ؛ ذلك أن البون شاسع بين من يحصل العلم بيسر وسهوله ، وذلك الذي يحصله بكد وعناء ومشقة . إن هذا النظام في منهجه ومضمونه يرمي إلى غاية تعليمية متميزة ، كتميز الأسلوب فيه ، يقول أحد الباحثين:"إن معالجة العبارات والنقاش في تأويل معناها ومبناها ، والدوران حولها لتفهمها بطرق مختلفة ، وتعرف نقصها وتذليل صعابها وتجلية غموضها ، كل هذا له فائدة في شحذ الفكر وتكوين ملكة الفن ، والمران على حل المعضلات اللفظية وعلى الجدل العلمي". ثم إنه لو سلم بغموض عبارات هذه السلسلة التأليفية فإن ذلك لم يكن من الظواهر التي انفردت بها المتون وما بني عليها من مؤلفات وحدها حتى تعاب به دون غيرها ، فإن أمهات الكتب القديمة لا تخلو من ذلك ، و إلا لما كثرت الشروح على كتاب سيبويه وجمل الزجاجي مثلًا ، بل إن من العلماء السابقين من كان يسعى إلى الغموض والتعمية في تأليفه ، ومع ذلك ظلت له ولكتبه مكانة عليا عند الدارسين ، ولم يعب عليه ذلك في زمانه ولا بعد زمانه . جاء في بعض الروايات أن الجاحظ اعترض على أبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط قائلًا:"أنت أعلم الناس بالنحو فلم لا تجعل كتبك مفهومة كلها ؟ ، وما لنا نفهم بعضها ولا نفهم أكثرها ؟ ، وما بالك تقدم بعض العويص وتؤخر بعض المفهوم ؟ . فقال: أنا رجل لم أضع كتبي هذه لله ، وليست هي من كتب الدين ، ولو وضعتها هذا الموضع الذي تدعوني إليه ، قلت حاجتهم إليه فيها ، وإنما غايتي المناولة ، فأنا أضع بعضها هذا الوضع لتدعوهم حلاوة ما فهموا إلى التماس فهم ما لم يفهموا ، وإنما قد كسبت في هذا التدبير إذ كنت إلى التكسب ذهبت".