الصفحة 11 من 54

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [1] .

قال القرطبي: (والصحيح الذي يكون عليه التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف وبه يعرف الله ويفهم كلامه ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله) [2] ،

وانطلاقًا من هذا الأصل اتفق جمهور العلماء والمفسرين على أن كل ما جاء في القرآن والسنة من خطاب موجه إلى المؤمنين والمسلمين في مختلف الشئون بصيغة المفرد المذكر والجمع المذكر مما يتصل بالتكاليف والحقوق والأعمال العامة يعتبر شاملًا للمرأة دون أي تفريق وتمييز إذا لم يكن فيه قرينة تخصيصية ومن ذلك التكاليف التعبدية والمالية والبدنية والحقوق والمباحات والمحظورات والتبعات والآداب والأخلاق

(نعم رفع الإسلام الإلزام ببعض التكاليف عن المرأة لا لأنها غير مساوية للرجل في أسباب التكليف ولكن من باب رفع العنت عنها نظرًا لطبيعة جنسها وما اقتضته من عدم البروز وتخفيفًا عنها ورخصة لها وإبعادًا لها عن مهاوي الرذيلة ومزاحمة الرجال وتفريغًا لها في القيام برسالتها العظيمة من إدارة البيت ورعاية الأجيال ويأتي هذا التخفيف في مثل إسقاط الجمعة والجماعة والجهاد وتخفيف الأعباء المالية عنها كالمهر والنفقة وهكذا بعض الحالات الأخرى التي جعلت الشريعة الإسلامية المرأة فيها غير مساوية للرجل من منطلق مراعاة خصائصها بسبب طبيعتها وفطرتها وإمكاناتها الواقعية وغلبة العاطفة عليها لا طعنًا بعقلها وكفاءتها وإنسانيتها وكرامتها وأهليتها.

1 -ففي الشهادة جعل الإسلام شهادتها في الحقوق المالية مقابل شهادة الرجل قال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ احْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [3] .كل هذا بسبب قلة خبرة المرأة عادة وملازمتها بيتها غالبا و خشية من نسيانها أو خطئها أو قلة ضبطها رؤية المشكلات المثارة يقول الشيخ رشيد رضا - رحمة الله - في تفسير المنار:"إن المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات فلذلك تكون ذاكرتها فيها ضعيفة ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها فإنها فيها أقوى ذاكرة من الرجل يعني أن طبع البشر ذاكرانًا وإناثًا أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر اشتغالهم بها ولا ينافي ذلك اشتغال بعض النساء الأجانب في هذا العصر الأعمال المالية فإنه قليل لا يعول عليه" [4] . وفي الجنايات أعفاها الإسلام من الشهادة فيها لأنها لا تطيق رؤية الدماء وألوان القتل فلا يكون تحملها دقيقا ولهذا يقبل قولها عن الرجال فيما تختص بالاطلاع عليه كالولادة وعيوب النساء الخاصة مما يدل على أن المناط في هذه الأحكام ليس الأوصاف الطردية من ذكورة وأنثوية وليس لأن الرجل أفضل من المرأة وإنما لمعان أخرى روعيت لمصالح لا تخفى على محقق.

2 -وفي الميراث جعل لها الإسلام نصف حظ الذكر كما في قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [5] ، لأن نظام الميراث مرتبط بنظام النفقات لذا فهي لا تكلف بالإنفاق على أحد بخلاف الرجل فالإسلام جعل عبء الأسرة وإنشائها كله على الرجل وأعفى المرأة عن ذلك بل المرأة في غالب أحوالها مضمونة النفقة سواء كانت أمًا أم

(1) سورة الإسراء: آية (70) .

(2) تفسير القرطبي 10/ 294.

(3) سورة البقرة: من الآية (282) .

(4) تفسير المنار 3/ 124 - 125.

(5) سورة النساء: من الآية (11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت