وعليه فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي بلغ في حجة الوداع للناس أحكام الحج بين أن المكان الذي تتعلق به العبادة في كل من عرفة والمزدلفة ومنى أوسع من المكان الذي أدى هو فيه هذه العبادة وسكت عن بيان نحو ذلك في أماكن أخرى من المشاعر منها السعي سكوتا يدل على أنها غير واسعة سعة تزيد بكثير على المكان الذي أدى هو ومن معه من المسلمين فيه العبادة المتعلقة بتلك المشاعر، ولو كانت أماكن العبادة من تلك المشاعر التي سكت عن بيان سعتها واسعة فعلا على نحو وسعها في الأماكن التي بين أنها واسعة وسكت عن بيان سعتها مع أن الحاجة الداعية إلى بيان أن كلا منهما واسع واحده للزم من سكوته هذا وقوع تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو غير واقع في شرعنا بإجماع جميع علماء أصول الفقه .
ولزم أيضا أن بيانه عليه الصلاة و السلام لكون تلك المشاعر التي بين سعتها واسعة لا فائدة فيها إذ تساويها في ذلك تلك التي سكت عن بيان أنها واسعة ولا يخفى ما في هذا من المحذور.
وبسبب أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في سعيه جاءت لبيان ما في قوله تعالى: ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح أن يطوف بهما) من الإجمال ، فهمت عائشة رضي الله عنها أن السعي لابد منه وأنه لا يكون إلا بين الصفا والمروة عندما قالت:
( وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما ) وفي رواية أخرى ( ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة ) . قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري:"قول عائشة سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بين الصفا و المروة". أي فرضه بالسنة وليس مرادها نفي فرضيته ويؤيده قولها: ( لم يتم الله حج أحدكم ولا عمرته ما لم يطف بينهما ) .