قال القرطبي رحمه الله:
إن الشرع قد تصرف في هذا الإطلاق فقصره على بعض موارده؛ فمرة أطلقه على كسب الحرام، كما قال تعالى في اليهود: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ) [1] ولم يرد به الربا الشرعي الذي حكم بتحريمه علينا، وإنما أراد المال الحرام، كما قال تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) [2] يعني به المال الحرام من الرشا، وما استحلوه من أموال الأميين حيث قالوا: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) [3] وعلى هذا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب [4] .
المطلب الثاني: أقسام المال الحرام
يقسم العلماء المال الحرام إلى قسمين:
الأول: الحرام لذاته.
وهو ما كان حرامًا في أصله لوصف قائم في ذاته وكنهه، كالخمر والخنزير والميتة والقمار والغِش، فالخمر حرمت لوصف الإسكار المزيل للعقل، والخنزير والميتة حرما لخبثهما وللضرر المحقق الحاصل منهما، والغش حرم للضغائن والأحقاد التي يولدها في النفوس، ولأنه أكل لأموال الغير بغير حق.
وقد حرمت هذه الأشياء بنصوص ثابتة من القرآن والسنة.
1 -قال تعالى في شأن الخمر والميسر: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [5] .
2 -وقال في شأن الخنزير والميتة: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) [6] وقال صلى الله عليه وسلم في شأن الغش:"من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا" [7] ويقاس عليها كل ما تحققت فيه علة التحريم، فيحرم لهذا الوصف، فالطعام مثلا إذا فسد وصار
(1) النساء: 161.
(2) المائدة: 42.
(3) آل عمران: 75.
(4) الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي 3/ 235، وينظر أيضا: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 243 - 244.
(5) المائدة: 90.
(6) المائدة: 3.
(7) رواه مسلم في الإيمان (باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: من حمل علينا السلاح برقم279) .