وعلى أي حال، فأرى -والله أعلم- أن الأفضل والأسلم لهذا الفقير أن يتصدق بمثل ما أكل إذا اغتنى تبرئة للذمة، ولكن لا يجب.
المطلب الثاني: إنفاقه في أداء الحج
الحج فريضة على المسلم يؤديه ببدنه وماله، ولهذا اشترط لوجوبه الاستطاعة البدنية، والمالية، ومن هنا استحب الفقهاء أن يكون المال من كسب حلال، فإنه أرجى للقبول عند الله عز وجل. ولكنهم اختلفوا في صحته إذا كانت نفقته من كسب حرام على قولين:
القول الأول: مذهب الحنفية والمالكية والشافعية: أن الحج بالمال الحرام -وإن كان خبيثًا- صحيح تسقط به الفريضة، كالصلاة في الأرض المغصوبة أو الثوب المغصوب، وكالصيام مع النميمة أو شهادة الزور [1] . واستدلوا على ذلك بما يلي:
1 -أن الحج أفعال مخصوصة من أركان وواجبات، والمال الحرام أمر خارج عنه، وإنما ينفقه في تحصيلها، فهو وسيلة للوصول إلى مكة لأداء هذه الأفعال، خارج عن ماهية الحج وحقيقته ولا تلازم بينهما، فلا يؤثر فيه فسادًا طالما سلمت أركانه وواجباته، ولكن لا ثواب له فيه [2] .
2 -قياسًا على الصلاة في الأرض المغصوبة، فإنها صحيحة، لأن الإقامة والمكث فيها فترة الصلاة أمر خارج عن حقيقتها فهو الحرام؛ لأنه شغل للمكان المغصوب بغير حق، فكذلك المال الحرام الذي ينفقه الحاج أمر خارج عن ماهية الحج وحقيقته، فلا يؤثر في صحته.
قال القرافي: الذي يصلي في ثوب مغصوب، أو يتوضأ بماء مغصوب، أو يحج بمال حرام، كل هذه المسائل عندنا سواء في الصحة -خلافًا لأحمد- والعلة ما تقدم أن حقيقة المأمور به من الحج والسترة وصورة التطهر، قد وجدت من حيث المصلحة، لا من حيث الإذن الشرعي، وإذا حصلت حقيقة المأمور به كان النهي مجاورًا، وهي الجناية على الغير .... ثم يقول: فإن النفقة لا تعلق لها بالحج، لأنها ليست ركنا ولا صرفت في ركن، بل نفقة الطريق لحفظ حياة المسافر [3] .
(1) فتح القدير 2/ 319، البحر الرائق 2/ 541، الذخيرة للقرافي 3/ 178، إحياء علوم الدين 2/ 147.
(2) المجموع 7/ 62، رد المحتار على الدر المختار 2/ 456.
(3) الفروق للقرافي 2/ 85 - 86.