الصفحة 26 من 48

القول الثاني: مذهب الحنابلة في الأصح عندهم، أن الحج بالمال الحرام باطل، وبالتالي لا تسقط به الفريضة [1] .

واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 -ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من أمّ هذا البيت من الكسب الحرام شَخَصَ في غير طاعة الله، فإذا أهل ووضع رجله في الغرز أو الركاب، وانبعثت به راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك، ولا سعديك، كسبك حرام، وزادك حرام، وراحلتك حرام، فارجع مأزورًا غير مأجور، وأبشر بما يسوؤك. وإذا خرج الرجل حاجًا بمال حلال، ووضع رجله في الركاب، وانبعثت به راحلته، قال: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك، قد أجبتك، راحلتك حلال، وثيابك حلال، وزادك حلال، فارجع مأجورًا غير مأزور، وأبشر بما يسرك" [2] .

2 -أن المال شرط لوجوب الحج، فيكون شرطًا لصحته، فإذا كان حرامًا -وهو غير مملوك لمن تحت يده- لم يصح الحج [3] .

3 -أن المسلم منهي عن الحج بالمال الحرام، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، كالصلاة في الأرض المغصوبة، والوضوء بالمال المغصوب، كل ذلك لا يصح، لأن الصلاة والوضوء والحج عبادات أتي بها على الوجه المنهي عنه، فلم تصح، كصلاة الحائض وصومها، وذلك لأن النهي يقتضي تحريم الفعل واجتنابه والتأثيم بفعله، فكيف يكون مطيعًا بما هو عاصٍ به، ممتثلًا بما هو محرم عليه، متقربًا بما يبعد به عن الله [4] .

والراجح من هذين القولين هو قول الجمهور، وهو أن الحج بالمال الحرام يصح وتبرأ ذمة المكلف، لكن الفاعل آثم، لأن النفقة ليست شرطًا من شروط صحة الحج باتفاق الفقهاء، وذلك للأمور التالية:

(1) كشاف القناع للبهوتي 4/ 138، الإنصاف للمرداوي 6/ 194.

(2) رواه البزار، وفيه سليمان بن داود اليمامي، وهو ضعيف. (مجمع الزوائد للهيثمي 3/ 210) .

(3) القواعد في الفقه الإسلامي لابن رجب الحنبلي ص13.

(4) المغني لابن قدامة 2/ 477.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت