الصفحة 23 من 48

المبحث الثاني: إنفاق المال الحرام وفيه ثلاثة مطالب

المطلب الأول: إنفاقه على نفسه وعياله.

سبق أن ذكرنا أن ما يدخل من مال حرام تحت يد الشخص لا يملكه، ولا يجوز أن يتصرف به تصرف الملاك، فلم يبق أمامه إلا أن يتخلص منه بطريقة مقبولة شرعًا، فيتصدق به أو ينفقه في المصالح العامة، كما سنوضحه في مبحث التحلل، ولكن هل يجوز أن ينفق منه على نفسه أو عياله؟

الحق أنه لا ينبغي أن يقال: بالجواز أو عدمه على إطلاقه، وإنما يكون ذلك بحسب حالتي مكتسب المال الحرام، كما يلي:

أولهما: أن يكون غنيًا، بحيث يكون عنده من المال ما يكفيه وعياله، ويغنيه عن التغذي بهذا المال الحرام. فهذا لا يجوز له قطعًا أن ينفق منه على نفسه أو عياله، لأنه غني بما عنده ولأن هذا المال الحرام ليس ملكه.

ثانيهما: أن يكون فقيرًا، فقد ذكر جمهور العلماء: أنه يجوز له أن يأكل منه -بسبب الفقر والحاجة إلى الصدقة- للضرورة، وبمقدار الضرورة فقط، لأن المحظور لا يجوز إلا عند الضرورة أو الحاجة، وإذا جاز، جاز بمقدارها فقط، إذ الضرورات تبيح المحظورات [1] ، والضرورة تقدر بقدرها [2] . وكذا يجوز أن يتصدق منه على أهله، لأن الفقر لا ينتفي عنهم بكونهم من أهله وعياله.

قال الغزالي- رحمه الله-: إن له أن يتصدق على نفسه وعياله إن كان فقيرا، أما عياله وأهله فلا يخفى، لأن الفقر لا ينتفي عنهم بكونهم من عياله، بل هم أولى من يتصدق عليهم، وأما هو فله أن يأخذ منه قدر حاجته، لأنه أيضًا فقير، ولو تصدق به على فقير جاز، وكذا إذا كان هو الفقير [3] .

(1) المنثور في القواعد للزركشي 2/ 68و 70، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص107.

(2) المصدر السابق نفسه.

(3) إحياء علوم الدين للغزالي 2/ 145.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت