الصفحة 31 من 35

يفسر اتجاه الموجة التالية من النازحين صوب الشرق, و لأن البحر من أمامهم؛ فقد ساروا بمحاذاة الشاطئ, و داروا مع ساحله، و اجتازوا المنطقة التي عرفت فيما بعد باسم: مضيق هرمز- و كانت في ذلك الوقت أقل عرضا، عمقا، و أيسر عبورا؛ من مضيق باب المندب- و ساروا حتى المنطقة التي عرفت فيما بعد باسم: شبه القارة الهندية حيث الأراضي الخصبة, و الأشجار المحملة بالثمار, و آكلات العشب و الطيور المناخ الذي شجعهم أن يعمروا المكان و أن يتكاثروا و ينتشروا فيما بعد شرقا, و شمالا, و أعقب هذا النزوح صدمة لا تقل عما سبقها خاصة, و في كل عام, و مع حلول موسم الحج, يذهب الذين ما زالوا على عهد الآباء و الأجداد؛ لأداء مناسك الحج, و في كل مرة لا يعودون بأي أخبار عن الذين نزحوا في الزمن الغابر, أو منذ ما يدركون من السنين, و مضت سنوات كثيرة تزايد فيها السكان في منطقة عدن و ما حولها و مع ما صاحب ذلك من ارتفاع درجة الحرارة، و زيادة الجفاف و ما لاحظه الناس من هجرة الحيوانات، و الطيور صوب الشمال بحثا عن الكلأ و الماء, فكر الناس لماذا لا يبحثون عن أرض أخرى إلى الشمال من البيت الحرام, بعدما انقطعت أخبار الذين اتجهوا غربا, و الذين اتجهوا شرقا, فكانت موجة النزوح الثالثة صوب الشمال, حيث وصلت منطقة أريحا, و عمرتها, و هكذا"شهدت أريحا خلال الألف الثامنة ق. م تطورا محليا"¹

النازحون بين الوطن الأول و المهجر:

النازحون الذين تركوا أرضهم التي ولدوا فيها؛ تجنبا للصراع ضد من ألجأهم لهذا حقنا للدماء سجية، أو تقية، و انطلقوا بحثا عن أرض جديدة حملوا في نفوسهم سخطا على من ألجأهم لذلك، و يتناسب ذلك السخط مع ما لاقوه في مجتمعهم الجديد، و أثناء رحلتهم إليه من مشقة، تناسبا طرديا و ربما فكر بعضهم في الذهاب؛ لأداء فريضة الحج التي كانت على عهد أبيهم آدم؛ و ربما خَوَّفَ بعضُهم بعضا من مغبة ذلك، ... و ربما كفروا بالقيم السامية، و المثل العليا التي كان عليها آباؤهم؛ فما حملهم على المغامرة، و ركوب الأخطار إلا الفرار من بطش القادرين في المجتمع الذي اضطرهم للهرب بحياتهم بحثا عن حياة أفضل.

أما موت الأسماء و المفاهيم لظاهرات كانت في المحلات الأولى و لم تعد موجودة في المحلات الجديدة، فيمكن لأي باحث أن يتأكد منه إذا درس تغير دلالات الألفاظ في إحدى المحلات السكنية التي كانت مصنفة إداريا: قرية حتى الخمسينات من القرن الميلادي الماضي، ثم زاد عدد سكانها، و اتسعت مساحتها العمرانية؛ لدرجة جعلت المسئولين يعيدون تصنيفها إداريا: مدينة؛ و ما ترتب على ذلك من اعتماد كثير من الفلاحين على الميكنة الزراعية، فاختفت بالتالي كثير من الأدوات البدائية التي كان يستخدمها الفلاح في الأعمال الزراعية؛ و قد تبين للباحث من ملاحظات غير مقننة أن بعض صغار السن- من أحفاد الفلاحين الذين تحولوا لاستخدام الآلات الزراعية الحديثة في الحرث و الري في تلك المجتمعات منذ بداية السبعينات من القرن الماضي- لا يعرفون حاليا معنى: أنتوت، قنافة، شادوف، خلجوف، دُكس، فرقلة، لنش، نوالة، نورج ... إلخ. أما ظهور الأسماء و المفاهيم لظاهرات لم تكن في المحلات الأولى، و أصبحت في المحلات الجديدة

ــــــــــــــ

? - (محمد السيد غلاب, يسري الجوهري: الجغرافيا التاريخية ص 264)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت