الصفحة 32 من 35

فيمكن لأي باحث أن يتأكد من ذلك بنفسه إن توقف عن متابعة الجديد في مجال الحاسب الآلي، و الإنترنت ثلاثة أشهر!! فما بالك إن حدث له ما يحجبه عن تلك المتابعة بعضة أعوام!!

يدرك المراقب أن النازح الذي غادر وطنه بلا رجعة و ليس له ما يربطه به مثل: الأهل أو الأصدقاء، أو الممتلكات أسرع ذوبانا في مجتمعه الجديد، و أكثر بعدا عن لغته الأم، من ذلك الذي نزح عن وطن يرتبط فيه بأهل، و أصدقاء، و جيران، و ممتلكات، و يريد أن يحقق ذاته أمام من يرتبط بهم في وطنه الأصلي، و أن أولاد النازحين أسرع ذوبانا من آبائهم في مجتمعهم الجديد، و أشد من آبائهم بعدا عن لغة آبائهم الأولى في الوطن الأول.

تقادم العهد, و ندرة التدوين, و الصراع من أجل البقاء, كل ذلك جعل أبناء المهاجرين, و أحفادهم يكتفون بالحد الأدنى الذي يحتاجونه من الألفاظ؛ فمات كثير من الألفاظ على ألسنة الأبناء, ثم الأحفاد, و هكذا ..

شغل المهاجرون عن لغتهم الأصلية بالبحث عن ما يقتاتون به هم و من يعولون، و لم يعد لديهم ما يكفي من الوقت للتواصل مع غيرهم؛ فقلت مفردات اللغة، و قواعدها في كل جيل منهم عن من سبقه.

انطلاق المهاجرين الذين نزحوا صوب الغرب أولا عبر مضيق باب المندب- و قد كان وقتها أضيق عرضا، و أقل عمقا- و احتياجهم للتخلص من كثير من أثقالهم؛ لعبور تلك اللجة؛ حرر لهجتهم - لا شعوريا التي تحولت فيما بعد إلى لغة سميت الحبشية- من أداة التعريف التي كان يعرفها أصلهم العربي.

انطلاق المهاجرين الذين نزحوا صوب الشرق مع ساحل البحر الذي عرف فيما بعد باسم بحر العرب، ثم اتجاه مجموعة منهم صوب الشمال عبر مضيق هرمز- و قد كان وقتها أضيق عرضا، و أقل عمقا- ... و احتياجهم للتخلص من كثير من أثقالهم؛ لعبور تلك اللجة؛ حرر لهجتهم من كثير من ألفاظها، و قواعدها ... و ظهرت مسميات جديدة؛ بحسب المناطق التي استقرت فيها كل جماعة منهم؛ لدرجة أنها تحولت فيما بعد بمرور الزمن إلى لغة تختلف عن غيرها، و عن الأصل العربي في الزمن البعيد، خاصة و قد انقطعت صلة كل منهم بالكعبة التي كان أجدادهم يحجون إليها.

انطلاق المهاجرين الذين نزحوا صوب الشرق مع ساحل البحر الذي عرف فيما بعد باسم بحر العرب، و لم يعبروا مضيق هرمز لم يحتاجوا إلا للتخلص من بعض أثقالهم؛ لمواصلة السير نحو الغرب بمحاذاة ما عرف فيما بعد باسم الخليج العربي؛ حرر لهجتهم من بعض ألفاظها، و قواعدها و ظهرت مسميات جديدة؛ بحسب المناطق التي استقرت فيها كل جماعة منهم؛ لدرجة أنها تحولت فيما بعد بمرور الزمن إلى اللغة الأكدية التي بعدت في بعض حروفها، و بناء أفعالها، و بعض أسمائها عن الأصل العربي، و إن كان هذا البعد أقل من البعد الذي حدث للغة الذين عبروا مضيق باب المندب أو مضيق هرمز، و إن كانت الأكدية قد عانت من مشكلة"أبنية الفعل من تفعيل، و مفاعلة .. إلخ؛ فهي كثيرة تتركب علاماتها من تشديد العين، و تاء التفعل، ... و نون الانفعال، و غيرها مع بعضها تركبا لا حد له، و ذلك لأن الناطقين بها افتقروا لمن يضبط تجمع المسميات، و الصياغات، كما أن انطلاق المهاجرين الذين نزحوا فيما بعد صوب الشمال على الأرض اليابسة، و تحول لهجتهم إلى لغة سميت العبرية و أخرى سميت الآرامية جعلهم يحتفظون بدرجة ما بقواعد"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت