و التأكد من دقة التنبؤات السابقة، و تصويب ما يلزم تصويبه. و إذا تتبع الباحث خريطة توزيع الحضارات في كوكب الأرض تبين له أن الحضارات تزدهر على ضفاف الأنهار، و حول الآبار و العيون و حيث تقام الخزانات و السدود التي يستطيع بها الإنسان أن يفيد من الماء بطريقة منظمة لأطول وقت ممكن، أو حيث يحظى المكان بميزة سياحية أو إستراتيجية أو تعدينية تحقق للعاملين فيه مكاسب مالية عالية؛ يشترون ببعضها ما يحتاجونه، و يقيمون حضارتهم بفائضها، أما من يعيشون على الجمع و الالتقاط؛ فإن أعمارهم تنقضي دون أن يتركوا أثرا يذكر بهم يوما.
أن التفكير المنطقي يقول بأن الإنسان بعيدا عن المؤثرات الخارجية عندما يفكر في الهجرة فإنه يتبع الشمس فمعها النهار ممتد حتى إذا غربت استراح من عناء السير نهارا، حتى الشروق واصل رحلته؛ حتى يبلغ غايته.
النازحون الأوائل الذين عبروا المضيق الذي عرف فيما بعد باسم مضيق باب المندب، ثم واصلوا السعي غربا عبر الأراضي التي عرفت فيما بعد بقارة أفريقيا، ثم عبروا المضيق الذي عرف فيما بعد باسم مضيق جبل طارق هم أول العابرين، و أكثرهم رعبا، من أن يلاحقوا، و انحراف مسارهم إلى اليمين سلوك طبيعي للخائفين الذين ينظرون خلفهم من حين لآخر و قد لاحظ الباحث - بتجارب غير مقننة أكثر من مرة- أن الخائف الذي يستخدم يده اليمنى يستسهل النظر للخلف أثناء جريه أو سعيه بالتلفت صوب اليمين، و لذلك ينحرف مساره قليلا صوب اليمين، و أن الذي يستخدم يده الشمال يفعل العكس، و لأن الذين يستخدمون اليد اليمنى أكثر من الذين يستخدمون اليد الشمال؛ فإن محصلة انحراف جماعة الخائفين تميل عن الاتجاه الرئيسي صوب اليمين، و بالتالي فليس بغريب أن تقودهم أقدامهم صوب مضيق جبل طارق، و يدعم هذا القول أيضا أن قوم موسى انطلقوا شرقا في رحلتهم للخروج من مصر، و كانوا على الضفة الجنوبية لقناة سيزوسترويس إلا أن خوفهم من أن يدركهم المصريون؛ ليردوهم، و ليستردوا منهم الذهب الذي سرقوه جعلهم يتلفتون للخلف باستمرار؛ مما جعلهم ينحرفون عن السير على الضفة صوب اليمين حتى وجدوا أنفسهم على الشاطئ الذي عرف فيما بعد باسم خليج السويس في مواجهة المنطقة المعروفة الآن باسم عيون موسى و هي تبعد إلى الجنوب عشرات الكيلومترات و لولا خوفهم لساروا على الضفة حتى عبروها من موضع مناسب.
فمن يقنن علاقة انحراف الساعي الخائف ممن يطلبه عن مساره صوب يده التي يستعملها، و أن محصلة هذا الانحراف تتناسب طرديا مع شدة الخوف، و طول المسافة، و عدم وضوح معالم الطريق، و ضعف الدليل؟
موقف الباقين في الوطن الأول عقب نوبات النزوح:
أما على الجانب الآخر فقد سعر من أخلدوا إلى المكان الشائعات؛ حتى يخوفوا من يفكر في النزوح من مغبة تقليد السابقين, و ليبرروا لأنفسهم قعودهم عن الخروج, و استمر الحال سنوات طويلة تناسلوا خلالها حتى ضاقت بهم الأرض, مرة أخرى، و قرر جماعة منهم أن ينزحوا عن المكان بحثا عن مكان أفضل, فأين يذهبون؟ أن الشائعات التي ترددت منذ مئات السنين عن الذين اتجهوا غربا في الزمان الغابر تضخمت؛ عبر الأفواه و الآذان, و عبر الزمان, بما يتناسب مع غموض الحدث و أهميته كما أن التغيرات الجيمورفولوجية أسفرت عن زيادة عرض و عمق مضيق باب المندب، و بالتالي زيادة غمره بالمياه، و صعوبة اجتيازه؛ مما جعل أنصاف المغامرين الذين اتجهوا غربا يعودون بحكايات يخفون بها ضعفهم عن سلوك ذلك الطريق, مما