سياسية و ثقافية و جغرافية أكثر من اعتماده على صلات القرابة؛ و لذلك عد الفينيقيين من الشعوب الحامية لما كان بينهم و بيت العبريين من عداء و حروب مع أن الفينيقيين من أخلص الساميين نسبا. ¹
ص- ليس غريبا أن بلاد الشام عن يسار المتجه من مصر عبر سيناء إلى شبة الجزيرة العربية، و أن بلاد اليمن عن يمينه، أي: ارتبط مهد الإنسان الأول باليمن، و الأمل في اليمن، و التوفيق فالاتجاه صوبه صوب يمن أما البعد عنه و الانحراف صوب الشمال فصوب شآم، و قديما ارتبطت في نفوس الأقدمين بذلك.
ق- إذا صدقنا هـ. ج. ولز فإن الإنسان قد دخل المرحلة النيوليتية في كل من مصر و أرض الجزيرة قبل الميلاد بحوالي 18 ألف سنة تقريبا، ثم عرف الزراعة بعد ذلك بثلاثة آلاف سنة، بينما لم ينتشر رجال العصر الحجري الحديث في أوروبا إلا قبل الميلاد بحوالي عشرة ألاف عام تقريبا ... و لقد أرخنا عصر الجليد الأخير و ظهور الإنسان الحق منذ حوالي خمسين ألفا أو خمسة و ثلاثين ألفا خلت من السنين"² ..."كانت أرض الجزيرة و مصر أوفق الأقاليم لأول استقرار دائم للإنسان"³"
تباين مظاهر تحضر الإنسان في المهاجر الجديدة:
الذين اتجهوا غربا عبر ما عرف فيما بعد بمنطقة باب المندب قد تأخرت مظاهر التحضر عندهم إلى ما بعد الذين اتجهوا إلى أريحا؛ ذلك لأن الذين اتجهوا إلى أريحا اتجهوا إليها مباشرة, و ركزوا جهودهم في منطقة محدودة, و كان عليهم أن يتخذوا بيوتا تقيهم التقلبات الجوية، و يعملوا بالزراعة و الرعي و ما يرتبط بهما من حرف، ثم طمرت آثارهم، بطبقة سميكة من الصخور الرسوبية، و لم تتأثر بالعمران في العصور التالية إلى أن اكتشفت فيما بعد، في حين من اتجهوا منهم غربا عبر باب المندب وجدوا سهولا واسعة, و أشجار كثيرة محملة بالثمار, فعاشوا أعواما كثيرة على الجمع و الالتقاط, و لم يفكروا في الاستقرار إلا في وقت متأخر, عندما تمكن الجفاف منهم, و ألجأتهم الحاجة إلى الاستقرار و السكن على ضفاف الأنهار، و منهم من عاشوا فيما عرف فيما بعد باسم وادي النيل, حيث عاش بعضهم على الجمع و الالتقاط, و عمل بعضهم بالرعي, و بالزراعة, و ما يرتبط بكل منهما من مهن أخرى, مما أتاح لهم وقتا للتعلم, و لملاحظة ظاهرات شروق الشمس و غروبها, و اتجاهات ظلال الأشياء, و أطوالها, و حركة الأجرام السماوية, و اتجاهات الرياح, و سرعتها, و فيضان النيل, و حركات المد, و الجزر, و لكن آثارهم تأثرت بالنشاط البشري المتلاحق الذي بقي منه معابد ضخمة و أهرامات و مسلات، و تقدم في جميع العلوم و الفنون بل و عرف التقويم في مصر منذ سنة 4240 ق. م, كل ذلك يحتاج ملاحظة دقيقة لما حول الإنسان من ظاهرات مناخية، و فلكية لسنوات عديدة, و يتحقق هذا بالاستقرار, كما يحتاج علما يتوارثه الإنسان عبر مؤسسات شديدة الانضباط, تعنى بتعليم الحساب, و الكتابة, و التدوين المنظم, كما تعنى بتحليل الملحوظات المدونة عبر آلاف السنين بتفكير منهجي, منطقي مقنن؛ لاستنباط القوانين و القواعد، و تحديد الدورات الفلكية، و المناخية
ـــــــــــــ
? - (علي عبد الواحد وافي: فقه اللغة ص 6)
? - (هـ. ج. ولز: معالم تاريخ الإنسانية ج 1 لوحة رقم 28، ص 109)
? - (المرجع السابق ص 155)