اختلف الباحثون حول الموطن الأول للساميين، فمنهم من قال: نشأ الساميون في بلاد الحبشة، و منها إلى القسم الجنوبي ببلاد العرب عن طريق باب المندب، و منهم من قال: بل شمال أفريقية و منها إلى أسيا عن طريق برزخ السويس، بينما ذكر آخرون أنه بلاد أرمينية بالقرب من حدود كردستان، أما جويدي فقد استند إلى كلمات مشتركة في جميع اللغات السامية تؤكد أن المهد الأصلي للشعوب السامية هو جنوب العراق، بينما ينادي آخرون بأن منشأ الساميين هو بلاد كنعان، أما سادس الآراء فيرجح أن المهد الأول للساميين كان القسم الجنوبي الغربي من شبة الجزيرة العربية (بلاد الحجاز، و نجد، و اليمن، و ما إلى ذلك) و يستدل أصحاب هذا الرأي على ذلك بأنه من هذا القسم نزح الساميون إلى جنوب العراق و غزوا بلاد السومريين و غلبوهم في القرن السادس و الثلاثين قبل الميلاد و من هذا القسم نزح الساميون إلى الشمال مكونين الشعوب الكنعانية في القرن السادس و العشرين قبل الميلاد، و كذلك نزح الساميون إلى العراق و كونوا الدولة الكلدانية التي حكمها حمورابي في القرن السادس عشر قبل الميلاد، كما يقرر أصحاب هذا الرأي أن أول هجرة سامية كانت إلى بلاد الحبشة كانت من بلاد اليمن و بذلك يرجحون هذا الرأي. ¹
يتبين للباحث أن: الآراء الخمسة الأولى لا تتفق مع قانون وجود الإنسان الذي حدد رسالة الإنسان، و لا يتفق كذلك مع التوقيت الذي أهبط الإنسان فيه إلى الأرض؛ فقد جُعل الإنسان خليفة في الأرض؛ ليعبد الله، ... و ليعمر الأرض؛ و لذلك يحتاج الإنسان إقليما جغرافيا محدودَ المساحة، خصب التربة، ذا غطاء نباتي متوسط الكثافة؛ ليلبي احتياجاته، و احتياجات الحيوانات آكلة العشب، معتدل الحرارة، يتوفر فيه الماء العذب من المطر أو من الآبار و العيون، قريبا من مكان تأدية الشعائر الدينية، أي يحتاج لأن يكون الموطن الأصلي للإنسان حضانة مؤقتة، ثم بيئة طاردة للسكان.
فلو نشأ الإنسان في بلاد الحبشة حيث هضبة الحبشة، و بحيرة تانا العذبة، و النيل الأزرق الذي يقود إلى وادي النيل و سهول السودان، و وديانه، و غاباته الكثيفة مما يشغل الإنسان مئات الآلاف من السنين بما فيها من الثمار و الفواكه و صيد البر و صيد الأنهار العذبة قبل أن يضطر إلى النزوح عنها، و في نفس الوقت تجعل رحلة الإنسان لأداء شعيرة الحج و الطواف حول أول بيت وضع للناس رحلة شاقة جدا لا يقدر على القيام بها كثيرون.
أما إذا نشأ الإنسان شمال أفريقيا شمال دائرة عرض 30 درجة فإن فرصة انشغال السكان بصيد البحر على الشواطئ الجنوبية للبحر المتوسط التي تربوا على أربعة آلاف كيلومتر، و انشغالهم كذلك بوادي نهر النيل، و بحاصلات إقليم البحر المتوسط و ما فيها من حبوب و فواكه توفر مصادر الغذاء التي تكفي ملايين البشر عشرات الآلاف من السنين قبل أن يفكروا في النزوح عن هذا المكان، و حتى إن فكروا في الهجرة صوب الشرق فإنهم سيجدون نهر النيل بما فيه من أسماك و ما على ضفته الغربية من غطاء نباتي و حيواني يغري
بالصيد و بتربية الحيوان، كما تغري التربة الخصبة على ضفته الغربية بالزراعة، و كذلك بالتحرك عليها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
? - (علي عبد الواحد وافي: فقه اللغة ص 6 - 15)
صوب الجنوب، بدلا من المخاطرة بعبوره لتكمله الرحلة شرقا عبر برزخ السويس إلى قارة آسيا، و بذلك