الصفحة 12 من 35

فصاعدا فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء و المعلومات فيضعوا لكل واحد منها سمة و لفظا؛ إذا ذكر عرف به ما مسماه؛ ليمتاز من غيره، و ليغني بذكره عن مَرْآة العين، كما ذكر مذهب القائلين بأن أصل اللغات كلها إنما هو الأصوات المسموعة كَنعيق الغراب، و خرير الماء، و صهيل الفرس، و ختم مناقشاته دون أن يرجح رأيا. ¹

و لم يبدأ الإنسان مهمهما لأن الله سبحانه هو الذي علمه الأسماء كلها، و أقدره على النطق الصحيح المبين.

يرى الباحث أن الإنسان بدأ ناطقا فاهما؛ فالحقيقة القرآنية تؤكد أن الله سبحانه علم عبده آدم"الأسماء كلها"، كما يفهم أي عاقل يعرف اللغة العربية، و يقرأ ما ذكره الله سبحانه في القرآن الكريم، كما أن الله سبحانه اختبر آدم اختبارا شهده الملائكة إذ أمره:"أنبئهم بأسمائهم"و قد أجاب آدم عليه الصلاة و السلام عن السؤال،"و َلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ"خاطب الله سبحانه الملائكة:"أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ أَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ" (سورة البقرة - آية 33) كما نقرأ قوله تبارك و تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (سورة البقرة- آية 37) و منه نفهم أن الله سبحانه خلق آدم ... و جعله أهلا للنطق، و لتلقي الفيوضات الربانية، و للمعرفة، و للفهم، و لتقدير العاقبة، و لو لم يكن كذلك ما حسده الشيطان الرجيم، و لا اجتهد لغوايته، و للانحراف به عن الصراط المستقيم.

و يفهم الباحث إجابة السؤال من الحقيقة القرآنية سالفة الذكر، أي: أن الإنسان بدأ ناطقا، نطقا صحيحا مفهوما، خاصة أن الله سبحانه قد أخبرنا أن آدم أدى الاختبار الشفوي دون همهمة بمشهد من الملائكة قبل أن تكون معه جماعة بشرية يتواضع معها على اللغة، و تفاهم آدم مع زوجه، و أبلغها، و أولاده، و ذريته منهج الله، و لم يذكر أحد من الباحثين أن آدم جلس مع زوجه قبل أن يرزقا بالذرية، أو بعد أن رزقا بها؛ ليتواضعا على مسميات الأشياء، و ليدونا المعاجم و القواميس.

ما اللغة الأولى التي نطق بها آدم؟

اللغة الأولى هي التي تعلم بها آدم الأسماء كلها، و الدليل على ذلك من الوحي، قال تعالى: {وَ عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (سورة البقرة- آية 31) و لا يملك أي من البشر دليلا على ما يخالف ذلك.

شغل الإنسان نفسه ببداية الخلق، كما يشغل نفسه، و ينفق أموالا طائلة بحثا عن كوكب آخر يمكن أن يعيش فيه أو يلجأ إليه إن ضاقت عليه الأرض بما رحبت، قال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (سورة العنكبوت- آية 20 مكية) و تجلت رحمة الله سبحانه و تعالى أنه أنزل في كتابه الكريم:" {مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ لَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَ مَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} (سورة الكهف- آية 51 مكية) و لكن المسلم الذي عرف قانون وجود الظاهرة؛ و عرف قانون وجوده شغل نفسه بالحكمة من خلقه التي فهمها من قوله تعالى:" {وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (سورة الذاريات- آية 56 مكية) ، و عرف أنه خلق؛ ليكون خليفة في الأرض، و ليس في غيرها؛ و لذلك أراح نفسه من البحث في مجالات فهم أن البحث فيها لن يجديه.

ــــــــــــ

? - (ابن جني: الخصائص ج 1 ص 41 - 48)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت