وجود الإله الحق المجازي بذرّات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة ، ولا يضيع عنده عمل عامل ، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار ، فالسعيد من أصلح ما بينه وبين الله تعالى ، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله تعالى أصلح الله ما بينه وبين الخلق ، ومن التمس محامد الناس بسخط الله عاد حامده من الناس ذامًا له . ومن أعجب ما روي في هذا ما روي عن أبي جعفر السائح ؛ قال: كان حبيب أبو محمد تاجرًا يكري الدراهم ، فمر ذات يوم بصبيان ، فإذا هم يلعبون ، فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكل الربا . فنكّس رأسه وقال: يارب ! أفشيت سري إلى الصبيان . فرجع ، فجمع ماله كله ، وقال: يارب إني أسير ، وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال فأعتقني ، فلما أصبح تصدق بالمال كله ، وأخذ في العبادة ، ثم مر بأولئك الصبيان ، فلما رأوه قال بعضهم لبعض: اسكتوا ، فقد جاء حبيب العابد . فبكى وقال: يارب أنت تذم مرة وتحمد مرّه وكله من عندك . (10)
أطلق الأرواح من أصفادها *** في بهيج من رياض الأتقياء
غادياتٍ رائحاتٍ كالسّنا *** سابحات بسن آفاق الضياء
إنها ياشر ظمأى فاسقها *** مشتهاها من ينابيع الصفا
شهوة الأجساد قد ألقت *** بها في قفار ، ليس فيها من رَوَاء
ماغذاء الجسم في ألوانه *** فيه للأرواح شيء من حِباء
إنما الأرواح تحيا بالذي *** في صيام الجسم تُزجيه السماء
إن رمضان أيها الصائمون من أعظم الفرص لتحقيق هذه التقوى ، وعلينا أن ندرك أن الذنب مهما صغُر في عين مرتكبه إنما يخرم سياج هذه التقوى ، فيحرم الإنسان كمالها ، وحين تستمر الخطيئة يتسع الخرق فتضيع هذه التقوى بالكلية من القلب ، وحين يكون ذلك عافانا الله وإياكم يعيش الإنسان أشبه شيء بالأنعام . وفقنا الله وإياكم لتحقيق هذه التقوى ، وجعلنا ممن يخشاه في السر والعلن . وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
لعلكم تتقون (2)