وقد جاء تفسير التقوى عن جمع من السلف رحمهم الله تعالى فهذا علي رضي الله عنه قال: التقوى هي الخوف من الجليل ، والعمل بالتنزيل ، والقناعة بالقليل ، والاستعداد ليوم الرحيل . وقال طلق بن حبيب رحمه الله: هي أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجوا ثواب الله ، وأن تترك معصية الله ، على نور من الله ، تخاف عذاب الله . وجمعها آخرون فقالو: هي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره واجتناب نواهيه . ومن أجمل ما دونته سيرة عمر بن عبد العزيز تلك الوصية التي كتب بها إلى أحد رجال ذلك الزمان فقال: أوصيك بتقوى الله عز وجل التي لايقبل غيرها ، ولا يرحم إلا أهلها ولا يثيب إلا عليها ؛ فإن الواعظين بها كثير والعاملين بها قليل ، جعلنا الله وإياك من المتقين . وصدق رحمه الله تعالى في كون الواعظين بها كثير ، والعاملين بها قليل . فإن هذا أوضح ما يكون في مثل هذا الزمان . وإلا فهي أعظم عاصم عن الفتنة ، وأقوى حجابًا عن المعصية ، وهي ستار واق بين العبد وبين الرذائل من الأقوال والأفعال ، وما سكنت قلب إلا ازدادت طمأنينته ، وعظم خوفه ، وقرب من ربه ، وراج ذكره بين الناس . قال بن رجب رحمه الله تعالى: ومن صار له هذا المقام حالًا دائمًا أو غالبًا ـ يعني التقوى ـ فهو من المحسنين الذين يعبدون الله كأنهم يرونه ، ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم . وفي الجملة فتقوى الله في السر هي علامة كمال الإيمان ، ولها تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناء في قلوب المؤمنين . قال أبو الدرداء: ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر ، يخلو بمعاصي الله ، فيلقي الله له البغض في قلوب المؤمنين . وقال سليمان التيمي: إن الرجل ليصيب الذنب في السر ، فيصبح وعليه مذلته . وقال غيره: إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله تعالى ، ثم يجيء إلى إخوانه فيرون أثر ذلك عليه ، وهذا من أعظم الأدلة على